تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محلا به من لاعج الهم خاليا

ألا عللاني بالتعازي وأقنعا

فؤادي أن يرضى بهن تعازيا

وإلا أعيناني على النوح والبكا

فشأنكما شأني وما بكما بيا

وما نافعي أن تبكيا غير أنني

أحب دموع البر والمرء وافيا •••

أيا «مصطفى» تالله نومك رابنا

أمثلك يرضى أن ينام اللياليا؟

تكلم فإن القوم حولك أطرقوا

وقل يا خطيب الحي رأيك عاليا

لقد أوشكت من طول صمت وهجرة

تخالك أعواد المنابر فانيا

وتبكيك لولا أن فيها بقية

تعللها من ذلك الصوت داويا

فهل ألفت ما بين جفنك والكرى

محالفة أم قد أمنت الأعاديا؟

فقدناك فقدان الكمي سلاحه

وساري الدياجي كوكب القطب هاديا

وبتنا ودمع العين أندى خمائلا

وأكثر إسعافا من الغيث هاميا

ولولا تراث من أمانيك عندنا

كريم بكينا إذ بكينا الأمانيا

طواك الردى طي الكتاب تضمنت

صحائفه من كل فخر معانيا

مضاء إذا البيض انتمت لأصولها

غضبنا إذا سماك قوم يمانيا

ورأي يجلي اليأس واليأس ضارب

على الأفق ليلا فاحم اللون داجيا

إذا ما تقاضينا ولم تك بيننا

ذكرناهما حتى نجيد التقاضيا

فليتك إذ أعييت كل مساجل

قنعت فلم تعي الطبيب المداويا

وليتك إذ ناضلت عن مصر لم تفض

مع الحبر قلبا - يعلم الله - غاليا

لقد ضاع إخلاص الطبيب وحذقه

سدى فبكى الفخر الذي كان راجيا

ولم تنتهز تلك العقاقير فرصة

ترى الناس فيها فضل بقراط باديا

نحييك سيفا بات في الترب مغمدا

تقلده - فيما مضى - الحق ماضيا

ففي هذه القصيدة نلاحظ أن أروع أبياتها وأكثرها تأثيرا في النفس هي تلك التي يتحدث فيها عن حزنه ولوعته استجابة لإحساسه الرقيق، وأما الأبيات القليلة التي يستجيب فيها إلى العرف الشعري المتوارث من ضرورة الإشادة بالميت في الرثاء، فإننا لا نلبث أن نلمح فيها المعاني والقوالب التقليدية كالسيف اليماني، والرأي الذي يجلي اليأس والظلام ... إلخ.

هذا، وفي باب المراثي من ديوان صبري مقطوعة صغيرة يرثي فيها عمر بن الشيخ علي يوسف، صاحب «المؤيد»، وقد قالها في سنة 1908، ولم يكن في المجال محل للمديح أو للحديث عن العظمة أو المسائل العامة؛ لأنه رثاء لشاب في مقتبل العمر؛ ولذلك جاء رثاء عاطفيا خالصا جارى فيه الشاعر مزاجه الرقيق، فأجاد في تصوير ألم الثكل عند الوالدين، وأسى الحرمان من الولد؛ حيث قال (ص217 من الديوان):

يا مالئ العين نورا والفؤاد هوى

والبيت أنسا، تمهل أيها القمر

لا تخل أفقك يخلفك الظلام به

والزم مكانك لا يحلل به الكدر

في الحي قلبان باتا يا نعيمهما

وفيهما - إذا قضيت - النار تستعر

وأعين أربع تبكي عليك أسى

ومن بكاء الثكالى السيل والمطر

قد كنت ريحانة في البيت واحدة

يروح فيه ويغدو نفحها العطر

ما كان عيشك في الأحياء مختصرا

إلا كما عاش في أكمامه الزهر

فارحل تشيعك الأرواح جازعة

في ذمة القبر بعد الله يا عمر

ولعل تحرر إسماعيل صبري من الانفعالات العنيفة هو الذي سمح لشاعريته بأن تصدر أحيانا عن روح دعابة لاذعة يسميها الأوروبيون «بالهيومر»، ويرون فيها ميزة لكبار الأدباء، وهي روح لا تتفق مع الانفعال العنيف، ولا مع السخرية الدامية، أو التهكم القاسي، أو الهجاء الموجع والسخط العاتي، بل تنفذ إلى أغراضها بروح دعابة لاذعة رقيقة دقيقة، تظهر المفارقات، وقد تعبث بالأوضاع أو تقلبها. ومن أمثال ذلك مقطوعاته الصغيرة التي كتبها عندما استقالت نظارة مصطفى فهمي باشا سنة 1908، وقد نشرها ممضاة باسم بنتامور، وهو الشاعر المصري القديم، وفيها يعبر عن طريق الفكاهة المعكوسة عن سخط الشعب على تلك الوزارة المعمرة التي عبثت بالوطن والمواطنين وقضاياهم، وصانعت المستعمر، وراحت بغضب الشعب وسخطه البالغ.

ولنكتف من تلك المقطوعات بما قاله على لسان مصطفى فهمي (ص248 من الديوان):

إنني أستغفر الله لكم

آل مصر ليس فيكم من رجال

فل غربي ما أرى من نومكم

ورضاكم بوجود الاحتلال

محاضرات عن إسماعيل صبري · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاضرات عن إسماعيل صبريص ١٢