على أنه يلوح لنا أن أرسطو عندما أرجع الشعر إلى محاكاة الطبيعة والحياة إنما كان ينظر إلى فنين بالذات من فنون الشعر، وهما: فن الملاحم، وفن التمثيليات الشعرية؛ أي الفنين الموضوعيين قبل كل شيء ، وذلك بدليل أنه لم يتحدث عن فن الشعر الغنائي في كتابه الذي تحدث فيه عن الشعر عامة، وهو كتاب «الشعر»؛ إذ نراه يكتفي بأن يقسم الشعر إلى فنونه الثلاثة ثم يغفل بعد ذلك الحديث عن الشعر الغنائي؛ ليأخذ في تفصيل القول عن الفنين الآخرين اللذين يستقيم فهمهما، أو يمكن أن يستقيم، على ضوء نظرية المحاكاة باعتبار أن الملاحم والمسرحيات تعرض قطاعات من الحياة؛ أي تحاكيها بالمعنى الواسع للمحاكاة سواء أكانت تلك القطاعات من الماضي كما كان الحال في الملاحم والتراجيديات أو من الحاضر كما كانت الحال في الكوميديات، وبخاصة كوميديات أريستوفان.
وعلى ضوء هذا التفسير نستطيع أن نفهم كيف أن الفلسفة الأدبية الكلاسيكية التي تقيدت بآراء أرسطو في الفن وبنظريته عن المحاكاة؛ قد اتجهت وأنتجت بنوع خاص في فن موضوعي من فنون الشعر كفن الشعر التمثيلي، كما نستطيع أن نفهم كيف أن الرومانسية التي تمردت على الكلاسيكية وعلى فلسفة أرسطو في الفن عامة والشعر بخاصة؛ قد اتجهت وأنتجت بنوع خاص في فن الشعر الغنائي الذي تفوقت فيه، وجعلت أساسه الفلسفي التعبير لا المحاكاة، فالشعر عند الرومانسيين تعبير عن الذات الشاعرة قبل كل شيء، ومن الغريب أن نلتقي هنا مع الرومانسية عندما ننظر في المعنى الاشتقاقي لكلمة «شعر» في لغتنا العربية؛ إذ من الواضح أن الشعر من الشعور، أي إنه هو ما أشعرك كما كان يقول شاعرنا الكبير عبد الرحمن شكري وإخوانه من رواد التجديد في شعرنا العربي المعاصر؛ إذ نلاحظ أن دعوتهم تلك لم تكن إلا رجوعا إلى المعنى الاشتقاقي للفظة «شعر» ولغتنا العربية، وإن يكن من الواضح أن اتصالهم بالشعر الغربي الغنائي هو الذي ردهم إلى هذا المعنى الاشتقاقي الخالد.
كان الرومانسيون إذن هم العامل الفعال في تغيير الأساس الفلسفي للفنون عامة والشعر بخاصة من المحاكاة إلى التعبير، وبفضلهم قوي الشعر الغنائي بينما أخذ الشعر الموضوعي يتراجع، وبخاصة في الفن الأدبي التمثيلي ليخلي مكانه للنثر.
وإغفال أرسطو الحديث عن الفن الغنائي في كتابه عن «الشعر» عامة؛ لا يزال موضع مناقشات وتكهنات بين المفكرين والباحثين، فمنهم من يرجح ما أشرنا إليه من عدم تمشي الشعر الغنائي باتجاهاته جميعها مع نظرية المحاكاة التي جعلها أرسطو أساسا للشعر بخاصة والفنون عامة، بينما يرى البعض الآخر أن أرسطو إنما أغفل الكلام عن الشعر الغنائي في كتابه «الشعر»؛ لأنه رأى أن الشعر الغنائي أدخل في مجال الموسيقى وألصق به من مجال الأدب. ويزعم أصحاب هذا الرأي أن أرسطو لم يكن يؤمن بأن الشعر الغنائي نفسه يخرج عن مجال المحاكاة؛ بدليل أن شعراء الإغريق ومفكريهم السابقين عليه كانوا أنفسهم يرون أن الشعر كله ضرب من المحاكاة، وباستطاعتنا أن نعثر في أقوالهم على ما يؤيد هذا الرأي مثل قول شاعرهم الغنائي سيمونيدس: «إن الرسم شعر صامت، والشعر تصوير ناطق.» وواضح من هذه العبارة أن الشعر عند سيمونيدس شبيه بالرسم، ومن البديهي أن الرسم يسهل إرجاعه إلى المحاكاة، ولكننا نحسب أن مثل هذا القول إنما يصح على الشعر الوصفي، بينما يصعب تطبيقه على الشعر الوجداني الذي يبدو لنا أن أساسه الفلسفي هو حاجة الشاعر إلى التعبير لا ميله الغريزي إلى المحاكاة، وذلك ما لم ندفع الجدل إلى حد السفسطة الميتافيزيقية، فنزعم أن التعبير عن الوجدان ما هو إلا تصوير لحالات نفسية ومحاكاة لها.
ونحن إذ نفرغ إلى أن الشعر الغنائي بنوع خاص قد أصبح أساسه الفلسفي منذ الرومانسيين الحاجة إلى التعبير لا الميل الغريزي إلى المحاكاة.