ننتقل إلى النظر في هدف هذا التعبير لنرى هل هدفه كما يرى الفيلسوف كروتشي: التنفيس عن الذات الفردية دون نظر أو اعتبار إلى الجمهور المتلقي؛ أي إن الفنان يبدع لنفسه أولا وينفس عن عاطفته قبل أن يخاطب الجمهور، وبذلك نعثر على الأساس الفلسفي لما سميناه الشعر المهموس، أم أن الفنان يبدع كما قال تولستوي ليخاطب الغير ويعديه بمثل حالته النفسية التي يعبر عنها، وبذلك نجد أساسا فلسفيا لما يسمونه بالشعر الخطابي أو شعر المحافل ذي النغمات الرنانة الجهورية.
وإذا فرغنا إلى أن الشعر الغنائي تعبير عن الوجدان، ليشفي الشاعر نفسه، أو ليخاطب الغير وينقل إليه عدوى نفسه، فلا بد أن ننظر بعد ذلك في طبيعة هذا الوجدان، وهل هو الوجدان الفردي فحسب أم من الممكن أن يكون أيضا الوجدان الجماعي؛ بحيث لا يتحدث الشاعر عن آلامه وآماله وأشواق روحه الخاصة فحسب، بل يتحدث أيضا عن آمال شعبه وآلامه وأشواق روحه باعتبار أن وجدان الشاعر لا يمكن أن يكون ذاتيا خالصا في الأحوال العادية، وفي غير حالات الانعزال، أو الانطواء المرضي، أو الأثرة المسرفة، أو الغفلة التي لا تجعله يدرك أن وجدانه جزء من وجدان مجتمعه، متأثر به مؤثر فيه، وأن الشاعر مهما كانت أصالته إنما يتكون من رواسب ماضيه وماضي قومه، وإشعاع حاضرهم، وإرهاصات مستقبلهم.
ولا بد لنا أيضا من أن ننظر بعد كل ذلك في وسائل التعبير وطرائقه، وهل يكون هذا التعبير بالطريق المباشر وبالأسلوب التقريري الذي يكشف به الشاعر عن ذات نفسه، ويعرضها عارية محللة إلى عناصرها الأولية على القراء والسامعين، كما يفعل الرومانسيون، أم يحسن به أن يلجأ إلى الصورة والرمز فلا يفصح عن حالته النفسية، بل يلتقط صورا ترمز لتلك الحالة كما يفعل الرمزيون، وبذلك نعود إلى قول سيمونيدس إن الشعر تصوير ناطق، أو كما يقول بعض نقادنا العرب القدماء تصوير بياني.
وإذا فرغنا إلى أن الشعر عامة، والغنائي خاصة، تصوير بياني يجب أن ننظر في مجالات هذا الشعر، وهل للشعر كواحد من الفنون التعبيرية المتعددة مجال خاص كما حاول أن يثبت الناقد الألماني الكبير «لسنج» في كتابه «لاوكون» أم أن كل المجالات مباحة له حتى ولو اختلفت وسيلته عن وسائل الفنون الأخرى، كما يريد بعض الفلاسفة والنقاد المحدثين؛ بحيث يحق للشاعر أن يلج جميع الميادين دون أن يخشى التخلف في قوة التعبير والإيحاء عن غيره من الفنانين كالمصورين والنحاتين والموسيقيين.
وأخيرا لا بد أن نواجه مشكلة الصورة الشعرية التي كثيرا ما تقوم على المجازات والتشبيهات والاستعارات، لننظر في وظيفة هذه الصورة، وهل هي مخاطبة الحواس فحسب بأن يستند التشبيه إلى جامع من المظهر الشكلي، أم يخاطب الروح فيكون الجامع بين المشبه والمشبه به هو الواقع النفسي لكليهما؟ وبذلك ننتقل إلى الطرائق الرمزية في التعبير على نحو ما نحس في قول شاعر كبير مثل رابندرانات طاغور «السكون المشمس»؛ إذ من الواضح أنه لا يشبه هنا السكون بالإشماس، ولا يصفه به، وإنما يشبه وقع ذلك السكون المبهج في نفسه بوقع ضوء الشمس المشرقة؛ لأن المقصود بالتصوير البياني هو الإيحاء لا الإخبار، وهنا تجرنا نظرية الإيحاء إلى النظر في موسيقى الشعر، ومدى أهميتها في التعبير الشعري، هل هي جوهرية كما يزعم الرمزيون، أم أنها مجرد وسيلة كغيرها من وسائل التعبير الشعري!
كل هذه رءوس مسائل نرجو أن نعالجها في الأبواب القادمة مع ضرب أمثلة منتقاة من الشعر العالمي والشعر العربي على السواء، وتحليل تلك الأمثلة، وتطبيق النظريات الجمالية المختلفة عليها.
| الشعر بين الإلهام والمحاكاة
لقد عرف اليونان القدماء الذين يعتبرون رواد الشعر العالمي منبعين أساسيين للشعر، قالت بأحدهما الأساطير الشعبية التي زعمت أن للشعر إلها يوحي به هو أبوللو، وربات لكل فن من فنونه كانوا يسمونها «الميز»، فلشعر التراجيديا ربة، ولشعر الكوميديا ربة، وللشعر الغنائي ربة ثالثة، وباستطاعتنا أن نجد شبيها لهذا التصوير الشعبي عند الكثير من الشعوب القديمة، فالعرب القدماء كانوا يعتقدون أن لكل شاعر شيطانا في مثل قولهم «لولا هبيد ما كان لبيد.» وإذا كان اليونان القدماء قد تصوروا أن لآلهة الفنون جبلا تقيم فيه هو جبل «البرناس»، فإن العرب قد زعموا أن شياطين الإلهام تأوي إلى واد في بلادهم سموه وادي «عبقر»، ومنه اشتقت لفظة «العبقرية» التي تعتمد على الإلهام.