تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما فن الأدب التمثيلي فقد كان يصاغ هو الآخر عند اليونان الأقدمين شعرا، سواء منه المآسي والملاهي، بل كان يجمع فيه من الشعر والغناء والموسيقى والرقص؛ حيث ترى أجزاء المسرحية الإغريقية القديمة تتكون من مشاهد حوارية، وأغنيات للجوقة مصحوبة بحركات من الرقص البدائي ونغمات موسيقية ساذجة، وتتعاقب هذه الأجزاء المختلفة؛ الواحدة بعد الأخرى حتى نهاية المسرحية. •••

وعندما بدأت حركة البعث الأوروبي في القرن الخامس عشر، وعاد الأوروبيون إلى الأدب الإغريقي القديم يحتذونه، بل يستمدون منه مواضيع مسرحياتهم؛ رأيناهم في أول الأمر يجمعون في المسرح بين الحوار وبين المقطوعات الغنائية، لكن هذا النوع من المسرحيات لم يدم طويلا؛ فلم تلبث الكلاسيكية أن تكونت، وفيها انفصل فن التمثيل القائم على الحوار عن الغناء، وإن ظلت المسرحيات الجدية والهزلية تنظم شعرا على نحو ما نلاحظ عند كورني وراسين وموليير في فرنسا مثلا.

وإذا كان بعض كبار شعرائنا المعاصرين كشوقي وعزيز أباظة قد كتبوا بعض المسرحيات الشعرية، فإن محاولتهم قد استهدفت للكثير من النقد على الرغم من قوة الشاعرية، كما أن نجاحها المسرحي ظل محدودا. •••

وأخيرا هناك فن الشعر الغنائي، وهو شعر القصائد والمقطوعات، وهو إذا كان قد اتخذ عند العرب صورة محدودة ثابتة هي القصيدة ذات الوزن الواحد والروي الواحد والقافية الواحدة والمستقلة الأبيات؛ فإنه قد اتخذ عند الغربيين منذ القدم صورا وأشكالا متباينة، وكان لكل صورة تركيبها الموسيقي الخاص، كما ارتبطت بعض التركيبات الموسيقية بالأغاني الشعرية المختلفة؛ فلأغاني الحماسة والنصر مثلا تركيب موسيقي يختلف عن أغاني الغرام أو أغاني الرعاة أو الأغاني الريفية، وإذا كانت النزعة الذاتية قد غلبت على الشعر العربي فإن الشعر الغنائي عند الغرب قد جمع بين الذاتية والموضوعية، بل إن هناك من القصائد التعليمية الطويلة ما يرتفع إلى ذرى الشعر، كقصيدة «الأعمال والأيام» لهزيود اليوناني، وقصيدة «طبيعة الأشياء» للوكريتوس الروماني، وذلك بفضل خصائص صياغتها الشعرية.

هذا والملاحظ أن الشعر الغنائي كان يتغنى به فعلا في فجر الإنسانية سواء عند العرب أو الإفرنج، وكلمة

Lirigue

الغربية مشتقة من كلمة

Lyre ؛ أي «عود». وفي موسوعة الشعر العربي وهي كتاب الأغاني نجد المؤلف يورد المقامات الموسيقية الخاصة لكل قصيدة وإن تكن اصطلاحاته قد أصبحت بالنسبة إلينا طلاسم ليس من السهل حلها، وإذا كان هذا النوع من الشعر قد تطور في الشرق والغرب من الغناء إلى الإنشاد بل وإلى القراءة الصامتة، فإن العنصر الموسيقي المتمثل في الوزن والإيقاع والانسجامات الصوتية لا يزال بالغ الأهمية في هذا الشعر، بل وأخذت أهميته تزداد في أواخر القرن التاسع عشر حتى رأينا الرمزيين يقولون إن الشعر موسيقى قبل كل شيء، وإن العنصر الموسيقي فيه يبذ في الأهمية المعاني والعواطف والصور الشعرية ذاتها باعتبار أن الموسيقى هي أقوى أداة للإيحاء، والشعر عندهم إيحاء أكثر منه تعبيرا لغويا صريحا واضحا.

هذا، والملاحظ كما سبق القول أن فن الشعر قد أوشك في العصر الحاضر أن ينحصر في هذا النوع الغنائي بعد أن اختفى شعر الملاحم، وبعد أن حل النثر محل الشعر في الأدب التمثيلي.

وبعد الفراغ من هذا الاستعراض السريع لتطور فنون الشعر، ننتقل إلى استعراض مماثل لتطور فلسفة الفن عامة والشعر بخاصة؛ لنرى كيف ساير التطور التاريخي السابق.

التطور الفلسفي

الكلمات التي يسمى بها الشعر في اللغات الأوروبية الحديثة مأخوذة كلها من الكلمة اليونانية القديمة

Poetica ، وهذه الكلمة الأخيرة مشتقة بدورها من الفعل اليوناني

Poetin

ومعناها «يعمل» أو «يصنع» أو «يخلق»، وعلى هذا الأساس يكون معنى «الشعر » الاشتقاقي عندهم «الخلق» أو الإبداع، ومع ذلك نرى الفيلسوف الأول أرسططاليس يرجع الشعر، بل الفنون الأخرى جميعها إلى ما يسميه بالمحاكاة: أي محاكاة الطبيعة وواقع الحياة بشتى الوسائل التي تملكها الفنون المختلفة، وهي في حالة الشعر اللغة والموسيقى، وعند الفهم الصحيح لنظرية المحاكاة كما تحدث عنها أرسطو لا نجد هناك تعارضا بين معنى الشعر الاشتقاقي وحقيقته القائمة على المحاكاة؛ فأرسطو لم يقصد هو ولا غيره من المفكرين القدماء والمحدثين إلى القول بأن المحاكاة الفنية نقل آلي أو شبه آلي عن الطبيعة أو الحياة، ومثل هذا النقل هو وحده الذي تنتفي معه صفة الخلق والإبداع في الشعر بخاصة والفنون عامة، فالفنان أو الشاعر لا ينقل عن الطبيعة أو الحياة رأسا وبطريق مباشر آلي، وإنما ينقل عن الصورة التي تنعكس في نفسه عن بعض مشاهد الطبيعة أو الحياة، ولا أدل على ذلك من أن أرسطو لم يحصر المحاكاة فيما هو واقع في الطبيعة والحياة، بل رأى أنها كثيرا ما تكون محاكاة لما يمكن أن يكون أو لما يجب أن يكون، ولا يمكن أن تقتصر على ما هو كائن، وعلى هذا الأساس يميز أرسطو بين التاريخ والأدب؛ فالتاريخ يتقيد بما كان، بينما الأدب يحق له، بل يجب أحيانا، أن يعمل فيما كان من الممكن أن يكون؛ ولذلك يبحث الأدب عن العام المشترك، بينما ينحصر التاريخ في الخاص المفرد؛ فهو قد يصور مثلا استبداد «نيرون» ولكنه لا يصور الاستبداد في ذاته منطلقا من إطاري الزمان والمكان؛ ولذلك يقدم التاريخ أفرادا وشخصيات بينما يستطيع الأدب أن يقدم نماذج بشرية، وفي كل هذا ما يفسح المجال أمام الأدب عامة للخلق والإبداع؛ بحيث تقترب حقيقته عند أرسطو من المعنى الاشتقاقي للفظة الشعر في لغة أرسطو نفسه، أي اليونانية القديمة، وهو معنى الخلق والإبداع.

فن الشعر · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ٥