تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نسي الطين ساعة أنه طين

حقير فصال تيها وعربد

وكسا الخز جسمه فتباهى

وحوى المال كيسه فتمرد

يا أخي، لا تمل بوجهك عني

ما أنا فحمة ولا أنت فرقد

أنت لم تصنع الحرير الذي تلبس

واللؤلؤ الذي تتقلد

أنت لا تأكل النضار إذا جعت

ولا تشرب الجمان المنضد

أنت في البردة الموشاة مثلي

في كسائي الرديم تشقى وتسعد

لك في عالم النهار أمان

ورؤى والظلام فوقك ممتد

ولقلبي كما لقلبك أحلا

م حسان فإنه غير جلمد •••

أأماني كلها من تراب

وأمانيك كلها من عسجد

وأماني كلها للتلاشي

وأمانيك للخلود المؤكد

لا فهذي وتلك تأتي وتمضي

كذويها، وأي شيء مؤبد؟!

أيها المزدهي إذا مسك السق

م ألا تشتكي؟ ألا تتنهد؟

وإذا راعك الحبيب بهجر

ودعتك الذكرى ألا تتوجد؟

أنت مثلي يهش وجهك للنعمى

وفي حالة المصيبة يكمد

أدموعي خل، ودمعك شهد

وبكائي ذل، ونوحك سؤدد!

وابتسامي السراب لا ري فيه

وابتساماتك اللآلي الخرد

فلك واحد يظل كلينا

حار طرفي به وطرفك أرمد

قمر واحد يطل علينا

وعلى الكوخ والبناء الموطد

إن يكن مشرقا لعينيك إني

لا أراه من كوة الكوخ أسود

النجوم التي تراها أراها

حين تخفى وحينما تتوقد

لست أدنى - على غناك - إليها

وأنا مع خصاصتي لست أبعد

أنت مثلي من الثرى وإليه

فلماذا يا صاحبي التيه والصد

مطران ومدرسة أبوللو

وفي الوقت الذي كان فيه جماعة الديوان، وكان المهجريون يهاجمون المدرسة التقليدية أعنف الهجوم ويدعون إلى التجديد دعوة عنيفة صاخبة كان ثمة شاعر كبير يجدد في صمت، ويقدم روائعه الجديدة حاملة الدعوة العملية لهذا التجديد، وهو الشاعر خليل مطران الذي كتب المطولات القصصية والدرامية الرائعة، كما كتب الوجدانيات التي رأينا مثلا جميلا لها في قصيدة «المساء» التي كتبها سنة 1902 وهو مريض بمكس الإسكندرية، وقد رأينا كيف أحال الوصف فيها من الحسية التقليدية إلى الوجدانية التي يمتزج فيها الشاعر بالطبيعة، ويتجاوب معها وكأنه حل بها وحلت به؛ مما يجعل من مطران رائد الوصف الوجداني في شعرنا العربي الحديث.

ولقد أعلن الشاعر أحمد زكي أبو شادي منذ ديوانه الأول «أنداء الفجر» أنه قد تتلمذ على مطران، كما أعلن الاعتراف نفسه عدد من كبار جماعة أبوللو التي تأسست في سنة 1932 وأصدرت مجلتها الشعرية الخالدة التي ظلت تصدر حتى آخر سنة 1934 متخصصة في نشر الشعر الجديد ونقده، ومنهم الشاعر الوجداني الكبير الدكتور إبراهيم ناجي، الذي تحدث غير مرة عن «الحمى المطرانية» التي أصابته وأصابت رفاقه.

وعلى الرغم من أن جماعة أبوللو لم تدع أنها تكون مدرسة ذات فلسفة شعرية محددة، بل أعلنت على العكس أنها تفسح صدرها وصدر مجلتها لكل شعر جيد، فإنها في مجموعها قد تميزت بالطابع الوجداني الخالص رغم اختلاف كبار أعضائها اختلافا بينا في المزاج النفسي، وهو الخلاف الذي جعل من شعر ناجي قصيدة غرام ومن شعر أبي القاسم الشابي ثورة نفسية عارمة، ومن شعر على محمود سيمفونية مرحة مبتهجة بالحياة، ومن شعر حسن كامل الصيرفي تأملا انطوائيا متصلا في الحياة وحقائقها، ومن شعر الهمشري هروبا عاطفيا من صخب الحياة إلى «نارنجته الذابلة» أو إلى «قمة الأعراف»، فأغنوا شعرنا العربي المعاصر بثروة ضخمة من شعر الوجدان المتفاوت النغمات المتعدد الألوان امتدادا من ناجي صاحب «العودة» و«الأطلال» والقائل:

تتعاقب الأقدار وهي مسيئة

كم عقنا ليل وخان نهار

وكأنما هذا الفضاء خطيئة

وكأن همس نسيمه استغفار

إلى أبي القاسم الشابي الذي ظل يغالب الأقدار والمرض العضال حتى أسلم النفس الأخير في روح ثورية صلبة عاتية، نستطيع أن نحسها في مثل قوله من قصيدة «نشيد الجبار أو هكذا غنى بروميثيوس»:

سأعيش رغم الداء والإعياء

كالنسر فوق القمة الشماء

أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا

بالسحب والأمطار والأنواء

لا ألمح الظل الكئيب ولا أرى

فن الشعر · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ٣٥