ما في قرار الهوة السوداء
وأسير في دنيا المشاعر حالما
غردا وتلك طبيعة الشعراء
أشدو بموسيقى الحياة ووحيها
وأذيب روح الكون في إنشائي
وأصيخ للصوت الإلهي الذي
يحيي بقلبي ميت الأصداء
وأقول للقدر الذي لا ينثني
عن حرب آمالي بكل بلاء
لا يطفئ اللهب المؤجج في دمي
موج الأسى وعواصف الأرزاء
فاصدم فؤادي ما استطعت فإنه
سيكون مثل الصخرة الصماء
لا يعرف الشكوى الذليلة والبكا
وضراعة الأطفال والضعفاء
ويعيش كالجبار يرنو دائما
للفجر ... للفجر الجميل النائي
وقد سرت روح الشابي الثائرة في ضمير الأمة العربية كلها فأصبحت ترى المواطن العربي في كل قطر يردد قوله:
إذا الشعب يوما أراد الحيا
ة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي
ولا بد للقيد أن ينكسر
وكل ذلك إلى جوار نغمات على محمود طه الباسمة المبتهجة في دواوينه «الملاح التائه» و«عودة الملاح التائه»، و«زهر وخمر»، و«الشوق العائد»، و«شرق وغرب».
وقد ردد عدد من مغنينا عددا من قصائده التي تنشر البهجة في النفوس وفي مقدمتها أغنية «الجندول»:
أين من عيني هاتيك المجالي
يا عروس البحر يا حلم الخيال
مدرسة الوجدان الجماعي
وسار الزمن بخطوات حثيثة، فإذا بالمد الثوري يعلو موجه، وإذا بثورتنا الوطنية الكبرى تجمع في سنة 1952 بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية، فيأخذ الوجدان الفردي في التقهقر شيئا فشيئا أمام الوجدان الجماعي الذي نسميه حينا بالوجدان الواقعي، وحينا آخر بالوجدان الاشتراكي، فيظهر إلى جوار شعر الوجدان الفردي الخالص شعر الوجدان الجماعي الذي سبق أن رأينا كيف أخذ يجدد في صورة القصيدة العربية ومضمونها فيتحرر من وحدة البيت ليجعل من القصيدة كلها وحدة موسيقية متصلة متماسكة، ويلجأ في أحيان كثيرة إلى الأقصوصة الموضوعية والدراما القصيرة ليتخذ منها موضوعات لقصائده.