تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما راجعت صبري غير أني

أكتم لوعتي في الشوق جهدي

ولو أطلقت شوقي بل نحري

وروى وبل غاديتيه خدي ... إلخ.

ولعلنا نستطيع أن نلمس المزاج الرومانسي الذي كان مسيطرا على المازني عندئذ في قوله:

ويروعني يأسي ويفزعني

أملي وأفرق من لقاء غدي

أو في قوله:

إني أراني قد حلت وانتسخت

مع الصبا سورة من السور

وصرت غيري فليس يعرفني

إذا رآني صباي ذو الطرر

ولو بدا لي لبت أنكره

كأنني لم أكنه في عمري

كأننا اثنان ليس يجمعنا

في العيش إلا تشبث الذكر

مات الفتى المازني ثم أتى

من مازن غيره على الأثر

وأما العقاد أديبنا الطموح الواسع الآفاق فقد قال الشعر في الاتجاهات جميعها فله شعر الوجدان وله الشعر الفلسفي، بل وله أيضا شعر المناسبات، ولكنني عن نفسي أفضل ما قاله من الشعر الوجداني الخالص الذي تروقني منه أمثال قصيدة «نفثة» التي يقول فيها:

ظمآن ظمآن لأصوب الغمام ولا

عذب المدام ولا الأنداء ترويني

حيران حيران لا نجم السماء ولا

معالم الأرض في الغماء تهديني

يقظان يقظان لا طيب الرقاد يدا

نينى ولا سمر السمار يلهيني

غصان غصان لا الأوجاع تبليني

ولا الكوارث والأشجان تبكيني

شعري دموعي وما بالشعر من عوض

عن الدموع نفاها جفن محزون

يا سوء ما أبقت الدنيا لمغتبط

على المدامع أجفان المساكين

هم أطلقوا الحزن فارتاحت جوانحهم

وما استرحت بحزن في مدفون

أسوان أسوان لا طب الأساة ولا

سحر الرقاة من اللأواء يشفيني

سأمان سأمان لا صفو الحياة ولا

عجائب القدر المكنون تغنيني

أصاحب الدهر لا قلب فيسعدني

على الزمان ولا خل فيأسوني

يديك فامح ضنى يا موت في كبدي

فلست تمحوه إلا حين تمحوني

وعلى أية حال فإن دعوة جماعة الديوان وبخاصة دعوتهم النقدية قد ساهمت مع دعوة المدرسة المهجرية، ومدرسة مطران في توجيه الشعر العربي الحديث الوجهة الوجدانية التي لا تزال تلازمه حتى اليوم على الرغم من تطور الوجدان في الفترة الأخيرة من الفردية إلى الجماعية.

المدرسة المهجرية

بينما كانت جماعة الديوان تدعو إلى التجديد في المشرق العربي كان إخوانهم في المهاجر الأمريكية - وبخاصة الشمالية منها - يدعون دعوة مماثلة، حتى رأينا العقاد وميخائيل نعيمة يتبادلان التحية والتأييد في كتاب «الغربال» الذي ألفه نعيمة وقدم له العقاد، وفيه يرسم نعيمة للدعوة الجديدة سبلها، ويرسم لنقد الشعر وتوجيهه مقاييس يستمدها من حاجاتنا النفسية الثابتة؛ بحيث يقوم الشعر بإشباعه لحاجة أو أكثر من هذه الحاجات التي أجملها فيما يأتي:

أولا:

حاجتنا إلى الإفصاح عن كل ما ينتابنا من العوامل النفسية من رجاء ويأس، وفوز وفشل، وإيمان وشك، وحب وكره، ولذة وألم، وحزن وفرح، وخوف وطمأنينة وكل ما يتراوح بين أقصى هذه العوامل وأدناها من الانفعالات والتأثرات.

وثانيا:

حاجتنا إلى نور نهتدي به في الحياة، وليس من نور نهتدي به غير الحقيقة، حقيقة ما في أنفسنا، وحقيقة ما في العالم من حولنا، ونحن وإن اختلف فهمنا عن الحقيقة لسنا ننكر أن في الحياة ما كان حقيقة في عهد آدم ولا يزال حقيقة حتى اليوم، وسيبقى حقيقة إلى آخر الدهر.

وثالثا:

حاجتنا إلى الجميل في كل شيء، ففي الروح عطش لا ينطفئ إلى الجمال، وكل ما فيه مظهر من مظاهر الجمال؛ فإننا وإن تضاربت أذواقنا فيما نحسبه جميلا ونحسبه قبيحا لا يمكننا التعامي عن أن في الحياة جمالا مطلقا لا يختلف فيه ذوقان.

ورابعا:

حاجتنا إلى الموسيقى؛ ففي الروح ميل عجب إلى الأصوات والألحان لا ندرك كنهه، فهي تهتز لقصف الرعد ولخرير الماء ولحفيف الأوراق، لكنها تنكمش من الأصوات المتنافرة وتنبسط بما تآلف منها.

ولقد وجه جبران خليل جبران شعر المهجر توجيها قويا نحو الرومانسية المجنحة، وامتد تأثيره إلى الشرق العربي كله، سواء في الشعر الموزون أو الشعر المنثور، وكان تأثيره أوضح ما يكون في خلق شعر المناجاة الذي سميناه في كتابنا «في الميزان الجديد» بالشعر المهموس، ورأينا مثلا رائعا له في قصيدة «أخي» لميخائيل نعيمة، ولنأخذ لهذا الشعر مثلا جميلا آخر من مطلع قصيدة «الطين» لإيليا أبو ماضي:

فن الشعر · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ٣٤