تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهي من بهجتها في عرس •••

أيها السائل عن جرمي لديه

لي جزاء الذنب وهو المذنب

أخذت شمس الضحى من وجنتيه

مشرقا للشمس فيه مغرب

ذهب الدمع بأشواقي إليه

وله خد بلحظي مذهب •••

ينبت الورد بغرسي كلما

لاحظته مقلتي في الخلس

ليت شعري أي شيء حرما

ذلك الورد على المغترس •••

كلما أشكو إليه حرقي

غادرتني مقلتاه دنفا

تركت ألحاظه من رمقي

أثر النمل على صم الصفا

وأنا أشكره فيما بقي

لست ألحاه على ما أتلفا •••

فهو عندي عادل إن ظلما

وعذولي نطقه كالخرس

ليس لي في الأمر حكم بعدما

حل من نفسي محل النفس •••

منه للنار بأحشائي ضرام

تتلظى كل حين ما تشاء

هي في خديه برد وسلام

وهي حر وحريق في الحشا

أتقى منه على حكم الغرام

أسدا وردا وأهواه رشا •••

قلت لما أن تبدي معلما

وهو من ألحاظه في حرس

أيها الآخذ قلبي مغنما

اجعل الوصل مكان الخمس

ثم إن الشعر العربي التقليدي لم يكد ينتشر في الأمصار ذات البيئات الطبيعية المتباينة حتى أخذت صوره وتراكيبه الموسيقية تتعدد وتتنوع على غرار تلك البيئات الطبيعية؛ فنشأ في الشعر الشعبي أنواع من التراكيب الموسيقية المختلفة التي يطول بنا تحليلها مثل الزجل والمواليا والكان كان والقوما.

وأما البيئة الاجتماعية فقد كانت العامل الأساسي الذي تحكم في تصميم القصيدة العربية التقليدية؛ ذلك لأن هذه كانت بلا شك عند نشأتها التقليدية الأولى تعبيرا من الشاعر عن وجدانه وخلجات روحه أو وصفا لبيئته استجابة لغريزة المحاكاة الشهيرة، غير أن البيئة الاجتماعية الفقيرة لم تلبث أن أنتجت التكسب بالشعر، فاضطر الشاعر إلى المديح وعز عليه أن يترك هدفه التلقائي من قول الشعر وهو التعبير عن وجدانه ووصف بيئته، فحاول أن يجمع الهدفين، ومن هنا ظهرت الصورة التقليدية للقصيدة العربية وتجمدت، وهي تلك الصورة التي وصفتها مدارس التجديد في شعرنا العربي المعاصر بالتفكك وانعدام وحدة الغرض فضلا عن وحدة الموضوع والوحدة العضوية، كما اتهمتها أحدث مدارسنا بالرتابة المسرفة، وعدم التصميم الهندسي في البناء الموسيقي، والوقوف عند وحدة البيت بدلا من وحدة التفعيلة التي يمكن أن تواتي الصورة الجديدة من القصيدة العربية التي تتضمن موضوعا يقسم إلى مراحل، ومع ذلك يكون في جملته وحدة عضوية منسقة على نحو ما سبق أن أوضحنا.

| خلاصة

وهكذا نخلص من هذا الاستعراض السريع لنشأة نظرية الشعر وتطورها إلى أن الشعر لم يعد يقصد به اليوم في الغالب الأعم إلا إلى الشعر الغنائي الذي لم يستطع أن يخضع يوما خضوعا تاما لنظرية المحاكاة التي تعتبر الأصل البعيد لمذاهب الواقعية والطبيعية في الأدب، بل لقد استطاع هذا الفن الغنائي أن يتخلص تخلصا نهائيا سافرا من تلك النظرية ليصبح أساسه الفلسفي الحاجة إلى التعبير لا غريزة المحاكاة، وقد تم ذلك بفضل الرومانسيين الذين قالوا إن الشعر وجدان.

وعندما عاد الاتجاه الواقعي إلى الظهور في العصر الحديث بل والسيطرة على فنون الأدب كلها لم تستطع تلك الواقعية أيضا أن تخضع الشعر الغنائي لسلطانها إخضاعا تاما، وإنما كل ما استطاعته هو أن حولت الوجدان من الذاتية إلى الجماعية دون أن تنفي عنه الطابع الوجداني الذي لا يمكن أن يعتبر الشعر شعرا بدونه، وإذا كانت قد حولته أيضا من الذاتية إلى الموضوعية فإن هذه الموضوعية لم تستطع أن تختلط بموضوعية فنون الأدب النثرية كالقصة أو المسرحية لا في بلادنا ولا في غيرها من بلاد العالم، وإن تكن تلك الواقعية الموضوعية الاجتماعية قد أدت بالضرورة إلى تغيير صورة القصيدة في بنائها الشعري وبنائها الموسيقي على السواء، ولكن دون أن تفقدها الطابع الشعري الذي يتركز أولا وقبل كل شيء في التصوير البياني، ذلك التصوير الذي وسعت الرمزية من نطاقه ونقلته من عالم الحواس الظاهري إلى عالم النفس ووقع الصور فيها دون أن تفقدها العنصر الموسيقي الذي يعتبر هو الآخر طابعا أساسيا للشعر ومميزا له عن النثر، فضلا عن أن الموسيقى ليست حلية ولا وسيلة تطريب، بل إنها وسيلة أداء تصل إلى التعبير عن مفارقات المعاني وظلالها العاطفية، بل وألوانها النفسية التي كثيرا ما تعجز اللغة المنثورة عن استخراجها من باطن النفس؛ حتى رأينا مؤلفنا العربي ابن عبد ربه يقول في عقده الفريد: «إن النغم فضل في المنطق لم تستطع اللغة استخراجه، فاستخرجته الأوزان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهرت عشقتها النفس وحن لها الفؤاد.» ويقول أفلاطون: «إن النفس لا ينبغي أن تمنع عن معاشقة بعضها بعضا.»

فن الشعر · الصفحة ٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ٢٧