تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وباستطاعتنا أن نعثر على صورة خاصة وتركيب موسيقي متميز محدد لما يسمى بالشعر الصغير في صورة طريفة من الشعر الغنائي ظهرت أول ما ظهرت بإيطاليا في عصر النهضة بفضل الشاعر الكبير بترارك، وهي ما يسمى بالسونتة

sonette

التي انتشرت بعد ذلك في أوروبا كلها؛ فكتب شكسبير قصائده الغنائية في هذه الصورة، كما شاعت عند شعراء النهضة في فرنسا بزعامة رائدهم الكبير بيير رونسار .

والسونتة مقطوعة شعرية قصيرة تتكون من أربعة عشر بيتا، لا تزيد ولا تنقص، مقسمة إلى أربعة أجزاء: الجزأين الأولين كل منهما من أربعة أبيات، والجزأين الأخيرين كل منهما من ثلاثة أبيات، وكل سونتة لا تشتمل في العادة إلا على عاطفة أو خاطرة محددة؛ فلا استطراد ولا توارد خواطر ولا إسهاب في قصص أو وصف، بل تعبير أو تصوير مباشر لتجربة بشرية محددة، حتى ليصح أن نترجم كلمة سونتة بعبارة صورة صوتية، وها هو ذا أنموذج لها من شعر رونسار:

كما نرى الوردة على الغصن في شهر مايو في شبابها الجميل ونضرتها الأولى تثير بلونها الحي غيرة السماء، عندما يرويها ندى الفجر بعبراته ...

وقد رقد الحب والرشاقة بين أوراقها، وأخذت تعطر الحدائق والأشجار بأريجها، غير أن سعير الحر أو غزير المطر لم يلبث أن ضربها فذوت وتساقطت أوراقها ذابلة ...

هكذا في جدتك الفتية الأولى، والأرض والسماء تقدسان جمالك، قصفك القضاء، فرقدت رمادا.

فلتقبلي قربانا دموعي وحسراتي، وهذا القدر المليء باللبن، وهذه السلة المليئة بالزهور؛ لكيلا يكون جسمك حيا أو ميتا إلا ورودا.

ونكتفي بهذين النوعين من القصائد الغنائية عند الغربيين كدليل على تنوع الصورة والتركيب الموسيقي تنوعا محددا، وهما نشيد النصر والسونتة؛ لنتساءل بعد ذلك لماذا لم تتنوع الصور والتراكيب الموسيقية في شعرنا العربي التقليدي كما تنوعت عند الغربيين، حتى إذا اطلعنا على آداب الغرب وأخذنا ننوع من صور القصيدة وتركيبها الموسيقي عندما هبت الثورات البدائية الفقيرة ضد كل محاولة للتجديد أو للتنويع؟

وفي الحق أننا لا نستطيع أن نجد تفسيرا لرتابة التركيب الموسيقي للقصيدة العربية التقليدية وتحجر صورتها، إلا في أثر البيئة عليها، سواء منها البيئة الطبيعية أو البيئة الاجتماعية.

فالبيئة الطبيعية هي تلك البيئة التي نجدها في بادية العرب؛ أي البيئة الصحراوية المتشابهة المعالم الممتدة الدروب على نسق واحد في أضيق حدود التنوع، فلا غابات ولا جداول وأنهار ولا جبال مورقة، بل في الغالب الأعم صحراوات ممتدة على مدى البصر تعبرها الناقة بخطى وئيدة وإيقاع مطرد هو الذي نجده منعكسا في التركيب الموسيقي للقصيدة العربية، ومن المؤكد أنه لم يكن من قبيل المصادفة تنوع وتغير التركيب الموسيقي للقصيدة العربية في بلاد الأندلس؛ حيث تتنوع مشاهد الطبيعة من جبال مورقة إلى أنهار وجداول رقراقة إلى حقول وجنان منبسطة إلى صخور ووديان، فمنذ القرن الثالث الهجري أخذ يظهر في الأندلس ما نسميه بالموشحات التي يعرفها ابن خلدون بقوله: إنها فن أحدثه أهل الأندلس ينظمونه أسماطا أسماطا، وأغصانا أغصانا ويصدرون فيه عن جميع البحور التقليدية مع تركيب الموشح على أشكال متباينة يعتبر من أكثرها ذيوعا تركيبه من لازمة من بيتين ثم مقطوعة من ثلاثة أبيات، وهكذا إلى أن ينتهي الموشح مثل قول ابن سهل الأندلسي في توشيح له:

هل درى ظبي الحمى أن قد حمى

قلب صب حله من مكنس

فهو في حر وخفق مثلما

لعبت ريح الصبا بالقبس

يا بدورا أشرقت يوم النوى

غررا تسلك بي نهج الغرر

ما لنفسي في الهوى ذنب سوى

منكم الحسنى ومن عيني النظر

أجتني اللذات مكلوم الجوى

والتذاذي من حبيبي بالفكر •••

كلما أشكوه وجدي بسما

كالربا بالعارض المنبجس

إذ يقيم القطر فيها مأتما

فن الشعر · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ٢٦