وكل ما طرأ على الطبيعة الموسيقية لشعرنا الحديث، هو أن استعضنا عن وحدة البيت الموسيقية بوحدة التفعيلة مع توزيع التفعيلات في مقطوعات تستقل وتتكامل مع المقطوعات الأخرى لتحقق الوحدة الموسيقية الكاملة للقصيدة؛ أي أن كل ما حدث هو تغيير التوزيع الموسيقي داخل القصيدة، وأما إهدار تلك الموسيقى إهدارا كاملا فقول لا يستطيع أن يقره شاعر موهوب أو ناقد مستنير.
| الشعر العربي وتطوره
فرغنا من الحديث عن النظرية العامة للشعر من حيث أساسها الفلسفي ومقوماتها الأساسية وتطور تلك المقومات، ونود أن ننظر في الشعر العربي على ضوء نظرية الشعر العامة، وتطور ذلك الشعر منذ العصر الجاهلي حتى اليوم.
وأول ما يستحق النظر هو تحديد وتعريف الفنون الشعرية التي عرفها العرب دون غيرها من فنونه الأخرى مع تعليل سريع لما عرفوه وما جهلوه.
فالأدب العربي الفني لم يعرف من فنون الشعر المعروفة في الآداب العالمية غير فن واحد هو الفن المعروف باسم «الشعر الغنائي» أي شعر القصائد دون الفنين الآخرين وهما: فن الملاحم، وفن الشعر التمثيلي. وإن يكن الأدب الشعبي قد كان أكثر تنوعا وأوسع آفاقا من الأدب الفني الذي ظل حبيسا في الآفاق التي رسمها أدب الجزيرة العربية منذ العصر الجاهلي، فالأدب العربي لم يلبث أن انتقل مع الإسلام واللغة العربية إلى أقطار مترامية خلف حدود الجزيرة، ولم تقنع الشعوب الجديدة التي اتخذت العربية لسانا بما رسم أدب الجزيرة من مجالات ونماذج وأصول وقيود؛ لأن بيئات تلك الشعوب وحاجاتها النفسية كانت تختلف عن بيئة الجزيرة وحاجاتها؛ ولذلك نرى الشعوب التي تعربت في العراق والشام ومصر وشمال أفريقيا تخلق لنفسها الملاحم الشعبية التي لا تنتسب لشاعر معين بل يشترك في تأليفها والإضافة إليها عدد من الشعراء الشعبيين المجهولين، منهم الشاعر فحسب، ومنهم الشاعر والمنشد والعازف على الربابة في وقت واحد، وبفضل هؤلاء الشعراء الشعبيين المجهولين تمتعت تلك الشعوب بما لدينا اليوم من ملاحم شعبية مثل: ملحمة عنترة وملحمة أبي زيد الهلالي سلامة، وملحمة الظاهر بيبرس، على نحو ما تمتعت بالقصص الشعبية التي اكتسبت شهرة عالمية مثل قصص ألف ليلة وليلة.
وإذا كان الأدب الفني لم يعرف ما يشبه المسرحيات من قريب أو بعيد لأسباب وتعليلات لا يزال الباحثون يتناقشون فيها، فإن الأدب الشعبي قد عرف فنونا تشبه إلى حد ما الفن المسرحي مثل: الأراجوز وخيال الظل، وإن يكن هذا الفن بمعناه الكامل لم ينشأ في عالمنا العربي الحديث تطورا عن هذه الفنون الشعبية، بل أخذناه عن الغربيين بعد اتصالنا بهم في القرن الماضي وابتداء من سنة 1848 وهي السنة التي ابتدأ فيها هذا الفن في منزل أحد التجار الأدباء ببيروت هو مارون نقاش. بل إن فن الشعر العربي التقليدي وهو الفن الغنائي إذا كان قد تحجرت صوره وقوالبه في الشرق العربي؛ إذ البيئة شديدة القرب من الجزيرة مهد اللغة وأدبها؛ فإنه لم يلبث أن تمرد على هذه الصور المتحجرة في بيئة جديدة نائية كبيئة الأندلس؛ حيث ظهرت الموشحات كما سبق أن أوضحنا. وفي الشرق والغرب العربي معا تمرد الشعر الشعبي على تلك الصور المتحجرة أيضا، فظهرت في الشعر الشعبي فنون الزجل والمواليا والكان كان والقوما وغيرها.
وهكذا نخلص إلى أن شعرنا الفني الفصيح هو وحده الذي اقتصر في أدبنا العربي التقليدي على الشعر الغنائي المحدد في صورة القصيدة ذات الوزن الواحد والقافية الواحدة.
طبيعة الشعر العربي
والآن وقد فرغنا من تحديد نوع الشعر العربي التقليدي يحق لنا أن ننظر في طبيعة هذا الشعر وتطوره فنرى أنه قد نشأ منذ جاهليته الأولى مطابقا مطابقة عجيبة لنظرية المحاكاة الأرسططالية.
فالشعر الجاهلي من الشعر الذي يصدق عليه إلى أبعد الحدود القول بأن الشعر رسم ناطق؛ أي تصوير حسي للبيئة الطبيعية والبشرية على السواء، وهو شعر لا يكاد يظهر فيه وجدان الشاعر إلا في القليل؛ بحيث لا نستطيع أن نقول عنه إنه تعبير عن وجدان قائله، وإذا كان في العربية شعر يمكن أن يوصف بأنه من قبيل الفن للفن فهو بلا ريب شعر الوصف الجاهلي، وهو الفن الذي برع فيه شعراء الجاهلية وأتقنوه إلى حد الإعجاز الذي لا نكاد نجد له مثيلا في أدب عالمي آخر؛ وذلك لفرط دقة الملاحظة واستقصاء الدقائق عند شعراء البادية الذين لم يتركوا فيها شيئا إلا صوروه أدق تصوير، فوصفوا في دقة حسية بالغة الناقة والحصان وحمار الوحش والذئب، كما وصفوا الأطلال والدمن والأثافي وبعر الآرام والهضاب والدروب وأعشاب الصحراء، وبالمثل وصفوا المرأة وصفا حسيا دقيقا، وانحصر غزلهم فيها في هذا الوصف، ولم يعرفوا الغزل العاطفي ولواعج الغرام إلا بعد ظهور الإسلام وفي بيئة الحجاز المترفة في العصر الأموي؛ حيث ظهر الغزل العذري عند المجنون، وقيس بن ذريح، وجميل بن معمر، وابن قيس الرقيات، وكثير عزة.