تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها يقول:

الملايين أفاقت من كراها

ما تراها؟ ملأ الأفق صداها

خرجت تبحث عن تاريخها

بعد أن تاهت على الأرض وتاها

حملت أفؤسها وانحدرت

من روابيها وأغوار قراها

فانظر الإصرار في أعينها

وصياح البعث يجتاح الجباها

يا أخي في كل أرض عريت

من ضياها وتغطت بدجاها

يا أخي في كل أرض وجمت

شفتاها واكفهرت مقلتاها

قم تحرر من توابيت الأسى

لست أعجوبتها أو مومياها

انطلق فوق ضحاها ومساها

يا أخي قد أصبح الشعب إلها

هذا، ولقد اقتضى المضمون الشعري الجديد النابع من الوجدان الجماعي أن يلجأ الشعراء إلى صور وقوالب جديدة يصبون فيها وجدانهم الجماعي، وبخاصة بعد أن تغيرت الظروف بعد الثورة، ولم يعد هناك مجال مستمر للاستنفار الثوري العنيف الذي يلائمه القالب الغنائي التقليدي في شعرنا العربي، فرأينا الكثيرين من شعرائنا الجدد يلجئون إلى قالب القصة الصغيرة الساذجة حينا، وقال الحوار الدرامي السريع حينا، ولما كانت مثل هذه القوالب لا تستدعي بالضرورة وحدة البيت الشعري كوحدة للموسيقى الشعرية، بل يقضي الحوار بتجزئة البيت الواحد إلى تفاعيل وفصل بعضها عن بعض لتوائم القصص أو الحوار، فقد أقدم شعراؤنا على تغيير الصورة مجاراة لتغيير المضمون وتغيير طريقة تصميم القصيدة وبنائها الهندسي.

الصورة الجديدة للشعر

والواقع أن الصورة الجديدة للقصيدة العربية المعاصرة لم تدفع إليها نزوة طارئة أو مجرد الرغبة في التجديد، بل جاءت لتحول عميق في ثقافتنا الفكرية والفنية؛ ذلك لأنه ما من شك في أن فلسفة ثورتنا الجديدة قد وجهت جيلنا الجديد الناهض نحو الواقعية الاشتراكية، وهي واقعية تنفر من الذاتية الرومانسية وتجنح إلى الجماعية؛ أي إلى استقاء التجارب الشعرية من مشكلات المجتمع ومواطن ضعفه وقوته وأفراحه وآلامه، لما كان الشعر الغنائي، أي شعر القصائد، لا يمكن أن يكون بطبيعته إلا شعرا وجدانيا؛ أي شعرا تلونه عاطفة الشاعر المنفعلة بتجارب الشعب، كما قد تشكله أحيانا فلسفة الشاعر في الحياة ووجهة نظره والمذهب الاجتماعي الذي يدين به، فقد كان حتما على هذا الشعر أن يكون لكل قصيدة منه موضوع يتخذ صورة القصة ولكنها قصة لا يمكن أن تصبح واقعية خالصة، بل لا بد أن تمتزج بوجدان الشاعر الذي يعطيها طابع الشاعرية، كما أنها لا تحرص على التفاصيل التي تحرص عليها عادة القصة النثرية ولا على التسلسل المنطقي المحكم أو تحديد أبعاد الشخصيات وملامحها النفسية بقدر ما تحرص على إبراز انفعال الشاعر بهذه القصة وما تثيره في نفسه من شتى العواطف حتى لكأنها تعبير من الشاعر عن الانطباعات التي أحدثتها في نفسه. وإذا كان الشاعر لا بد أن يحيطنا علما بأحداث تلك القصة وبالصورة العامة لشخصياتها فإنه يقتصر عادة على الإشارة السريعة واللمحة الخاطفة الموحية، حتى لا يصاب شعره بالنثرية، وحتى لا يطغى عنصر القصص على عنصر الوجدان الذي سيظل أبدا الطابع المميز للشاعرية.

ولعلنا نستطيع أن نلمس هذه الصورة الجديدة للقصيدة العربية المعاصرة في قصيدة كتبتها أخيرا الشاعرة الوجدانية السيدة ملك عبد العزيز، وهي لم تكتبها مجاراة للتيار الجديد؛ لأنها شاعرة لا تقول الشعر إلا تنفيسا عن وجدانها الذاتي، وهي أبعد ما تكون عن أن تحترف الشعر أو تنتقل مع تياراته، وإنما تقوله عندما ينفعل وجدانها وتشعر بحاجة ملحة إلى قوله، وقد انفعلت لما أذاعته صحفنا عن قصة البطل الشاب «جواد حسني زين العابدين» أثناء معركة بور سعيد الخالدة، وما كان من سفره إلى ساحة القتال على رأس فريق من زملائه الفدائيين، ثم إحاطة العدو بهم ورفضه أن يتراجع مع زملائه مؤثرا الموت على الهزيمة، ثم وقوعه أسيرا في يد الجند الفرنسيين، وسجنه في غرفة ضيقة بمعسكرهم عند شاطئ البحر، على الرغم من الدماء التي كانت تنزف من جراحه، وقد اتخذ من هذه الدماء مدادا سجل به على جدران الغرفة بعض أحداث قصته البطولية الرائعة، وفي النهاية تظاهروا بأنهم قد قرروا الإفراج عنه بعد أن أوقف القتال ولكنه لم يكد يخرج ويسير بضع خطوات على الشاطئ متعثرا نازف الدم حتى أطلقوا عليه الرصاص غدرا من خلف، وألقوا بجثته إلى البحر . وقد انفعلت الشاعرة بهذه القصة أيما انفعال، وزادها شجنا أن رأت فيه صورة لأحد أبنائها، وأنار الانفعال طاقتها التصويرية، فخيل إليها أنها قد دخلت إلى غرفة سجن البطل ورأت الكلمات المسطرة على جدرانها بدمه، وجسم خيالها هذه الرؤية الشعرية المؤثرة فخيل إليها أن هذه الدماء قد أنبتت شجرة خضراء رمزا للحياة المطمئنة التي يرويها دم الشهداء، ثم عاد خيالها إلى قصة البطولة كلها وما تعاقب فيها من أحداث تصورها بخطوط سريعة عميقة، وتسبغ على اللوحة القصصية كلها فيضا من مشاعرها كشاعرة وكإنسانة وكأم، ولكن دون أن تلتزم في عرض هذه القصة وتسلسلها إلا منطق مشاعرها، فهي تبدأ القصيدة برؤية شعرية داخل غرفة سجن البطل ثم تنتقل إلى القصة، وتعود في النهاية إلى تصوير شجرة الحياة التي صور لها خيالها أنها قد انبعثت وأينعت وأورقت بفضل ما غذاها به بطلها من دم ذكي (راجع القصيدة في ديوان «أغاني الصبا» للشاعرة، نشر دار المعارف بالقاهرة).

فن الشعر · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ٢٠