فهذه قصيدة ذات موضوع هو قصة البطل «جواد حسني زين العابدين» في معركة استشهاده، وبفضل وحدة الموضوع حققت القصيدة تلك الوحدة العضوية، التي نادى بها رواد التجديد في شعرنا العربي المعاصر منذ أوائل هذا القرن ولم يستطيعوا تحقيقها في شعر الوجدان الخالص والخواطر المتناثرة، فظل ترتيب الأبيات في القصيدة وتسلسلها قابلا للتقديم والتأخير دون أن يضطرب بناؤها، أما في هذه القصيدة فنرى وحدة الموضوع تمكن الشاعرة من أن تحقق هذه الوحدة العضوية تحقيقا رائعا، وإن اختلفت تلك الوحدة في القصيدة عنها في القصة النثرية التي لا بد أن تخضع للمنطق الموضوعي الصارم، بينما القصيدة لا تخضع ولا يمكن أن تخضع إلا لمنطق الشعور، فالشاعرة تبدأ قصيدتها برؤية شعرية لسجن البطل، وإذا بهذه الرؤية تطلق العنان للعاطفة التي تحرك الخيال، فتعود الشاعرة إلى القصة كلها بحلقاتها المتتابعة لا لتفصل تلك الحلقات ولكن لتعبر عما تثيره كل حلقة في وجدانها من انفعال عاطفي إنساني زاخر حتى لكأن القصيدة قد استحالت إلى وجدان خالص مع استفادتها من الموضوع في تحقيق الوحدة العضوية التي يتكامل بها العمل الفني، ونجحت الشاعرة في أن تغذي نفوسنا بالأحاسيس نفسها التي استشعرها وجدانها بفضل طاقتها التصورية القوية، بل نجحت في أن تغمر أرواحنا بفيض من مشاعر الأسى المتأسي الرفيع، ومن الإنسانية الشجاعة المستبسلة.
وأما من الناحية الموسيقية فالقصيدة مستقيمة النغم المبني على تفعيلة الرجز دون تقيد بوحدة البيت الموسيقية؛ تلك الوحدة التي لا تشعر بلزومها إلا في شعر الخطابة والمحافل أو شعر الوجدان الخالص أحيانا، وأما الوجدان المختلط بموضوعه والمصبوب في تضاعيف القصة فوحدته الموسيقية هي القصيدة كلها، ومع ذلك حرصت الشاعرة على أن تقسم هذه الوحدة الموسيقية الطويلة إلى وحدات تكاد تحكي الحركات المتتابعة في السيمفونية الموسيقية، وقد جزأت هذه الوحدات الموسيقية وفقا لأجزاء القصة ومراحلها المتتابعة كما تجزأ السيمفونية سواء بسواء وفقا للمدلول العاطفي لكل حركة من حركاتها.
| المضمون والصورة
على ضوء التطور التاريخي لنظرية الشعر نستطيع أن ننظر الآن في مقومات هذا الفن، وهي في مجموعها لا يمكن أن تخرج عن المضمون والصورة؛ أي عن المادة الأولية التي يصبها الشاعر في قصيدة، والصورة التي يبني بها قصيده، والبحث في المضمون الشعري يعتبر من المباحث الجديدة؛ إذ إن النقد التقليدي والتاريخ الأدبي المتوارث كانا يبحثان دائما، في أغراض الشعر وأهدافه أكثر مما يبحثان في مضمونه، فالعرب القدماء مثلا كانوا يقسمون الشعر بحسب أغراضه فيجعلونه مدحا وهجاء وغزلا ورثاء ووصفا وحماسا وما إليها، دون عناية كبيرة بالمضمون الذي يصبه الشاعر في كل من هذه الأغراض حتى رأيناهم يقولون مثلا إن المدح ثناء على الحي والرثاء ثناء على الميت، دون مناقشة لطبيعة المضمون الذي يجب أن يصبه الشاعر في قصيدة الرثاء، وهل يحسن أن يكون هذا المضمون تفجعا على الميت وحزنا لوفاته أو مدحا له وتسجيلا لفضائله، وتفلسفا سطحيا حول الموت والحياة والقضاء والقدر، أو مزجا بين كل هذه العناصر أو تغليبا لأحدها على الآخر.
وباستطاعتنا أن نعثر على تقسيمات مماثلة في آداب الأمم الأخرى القديمة، مثل أدب اليونان؛ حيث نرى شعره الغنائي ينقسم أحيانا بحسب صورته الموسيقية، فيكون منه شعر ال
Elegie
ومنه شعر الأيامب اللذين يتميزان بالتركيب الموسيقي لا بالغرض الشعري كما نجد تقسيما آخر يقوم على الأغراض، فهناك أناشيد النصر وأغاني الزواج والأفراح وأغاني الرعاة والريفيات وما إليها.
ولكن ظهور علم الجمال وفلسفته في العصور الحديثة أخذ يربط بين الشعر وغيره من الفنون الجمالية، ويخضعها كلها لفلسفات جمالية مختلفة، ويحاول أن يرسم لكل فن مجالات خاصة حينا آخر، كما يبحث في مضمون كل فن وصوره.