تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخي قد شاء رب الكون أن يجمع قلبانا،

فأسكننا بواد فاض بالخيرات ألوانا،

وأجرى بيننا نهرا براح الخلد أحيانا،

ووحدنا على الأيام وجدانا وإيمانا،

وأنزل في جوانحنا هدى يغذو طوايانا.

ومن الواضح أن هذه القصيدة تصدر أيضا عن الوجدان الجماعي، أو هي على الأصح تحاول أن تجلي أسس هذا الوجدان الجماعي، وهي بلا ريب لا توغل في الوجدان كما توغل قصيدة نعيمة الرائعة، فالأستاذ مختار الوكيل غير منفعل فيها بأحداث معينة حتى إننا لا نحس فيها بعاطفية متقدة كعاطفية نعيمة، ومع ذلك فالقصيدة تدخل بلا ريب في شعر الوجدان الجماعي بحكم ما نستشعره فيها من بهجة بعناصر الوحدة التي تجمع بيننا وتوحد قلوبنا وتسهم في التقريب بين ألوان روحنا.

ويمضي الزمن ويقوى الوعي الجماعي وتتسع آفاقه، فلا يعود وجداننا الجماعي قاصرا على وطننا المحلي، بل يمتد إلى قوميتنا العربية العامة، ومن جهة أخرى لا يظل هذا الوجدان الجماعي قاصرا على الناحية السياسية في قضايانا الوطنية أو القومية، بل يمتد أحيانا إلى حياتنا كلها فيشمل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبخاصة بعد أن أخذنا نحل قضايانا الوطنية والقومية تباعا مع الدول الاستعمارية، ونحقق استقلالنا السياسي دولة بعد أخرى، ونحرر سياستنا الخارجية من كل تبعية للغير، ونقف في المجال الدولي هذا الموقف الحيادي المشرف الذي ترتضيه الشعوب العربية كلها وتعتز به.

وفي خلال هذا الشوط الطويل الشاق الذي قطعناه كان الوجدان الجماعي يطغى شيئا فشيئا على الوجدان الذاتي، وظهر بيننا شعراء أقوياء أخذوا يغذون هذا الوجدان الجديد النامي حينا، ويهاجمون الوجدان الذاتي المنطوي أو الهارب هجوما عنيفا على نحو ما قال شاعر شاب في قصيدة سماها «إلى الشاعر التائه»:

ما لعينيك تبسمان، وعيناي تموجان ثورة ووميضا!

ما لقلبي وأنت قلبك راض يطلب النور والفضاء العريضا!

ما لروحي تكاد تقتل جسمي فتراه العيون جسما مريضا!

ما لمثلي يرى الليالي سودا ويرى مثلك الليالي بيضا!

ما لشعري طغى الجنون عليه، أم ترى أنت لا تراه قريضا! •••

أنت تخلو إلى النجوم، إلى الزهر، إلى الطير حينما يتغنى،

ربة الخمر باركتك فغنيت هراء ورحت تسأل دنا،

في سماء الخيال ضم جناحيك تقع بيننا فتصبح منا،

دع جمال الخيال وادخل كهوفا للملايين وارو للكون عنا،

إنما الفن دمعة ولهيب، ليس هذا الخيال والتيه فنا. •••

قلب الطرف هل ترى غير جهل، وهزال وآهة مكتومه،

وعيون قد أغمضت وبخور أطلقوه فراح يذري سمومه،

وجيوش من الخداع تمشيها أكف لغاية مرسومه،

وأكف هي المتابع للمال أضاعت سنينها محرومه؛

دع جمال الخيال وادخل كهوفا للملايين وارو للكون عنا،

إنما الفن دمعة ولهيب، ليس هذا الخيال والتيه فنا.

وبعد قيام ثورتنا الأخيرة وتحقيق الكثير من أهدافنا الكبرى التي كان شعراؤنا الشبان يستنفرون الشعب حتى ينهض لتحقيقها لم يعد هناك لهذا الاستنفار العنيف نحو الثورة داع، وإن ظل الوجدان الجماعي مع ذلك منبعا يستقي منه جيلنا الحاضر إلهامه، ومضمونه الشعري وهو مضمون متفاوت قد يكون حديثا عن أمجاد الماضي وبطولات الجهاد، أو دعوة لمواصلة اليقظة والحرص على مكاسب الثورة.

وقد ينضح الوجدان عن ابتهاج وتفاؤل بما حقق شعبنا من انتصارات على نحو ما نجد في قصيدة أغاني إفريقيا من ديوان محمد مفتاح الفيتوري، وهي التي يستهلها بقوله:

يا أخي في الشرق في كل سكن

يا أخي في الأرض في كل وطن

أنا أدعوك فهل تعرفني

يا أخا أعرفه رغم المحن

إنني مزقت أكفان الدجى

إنني هدمت جدران الوهن

لم أعد مقبرة تحكي البلى

لم أعد ساقية تبكي الدمن

لم أعد عبد قيودي لم أعد

عبد ماض هرم عبد وثن

أنا حي خالد رغم الردى

أنا حر رغم قضبان الزمن

فاستمع لي استمع لي

إنما الجيفة صماء الأذن

فن الشعر · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ١٩