تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى أية حال فقد أحدثت دعوات التجديد أثرها، وغيرت الاتجاه العام أو الاتجاه الغالب في شعرنا المعاصر؛ فظهرت شخصية الشاعر في شعره، وظهر لون روحه وطريقة انفعاله المتميزة بأحداث حياته الخاصة، وعلى هذا النحو رأينا شعر الروح المرحة المقبلة على الحياة عند علي محمود طه، والروح النارية المتفجرة عند إبراهيم ناجي، والانطوائية المتأملة عند حسن كامل الصيرفي، والثائرة المتمردة عند أبي القاسم الشابي.

ومع ذلك استطاعت بعض الأحداث الكبرى في مصر وفي العالم العربي كله أن تهز الوجدان الجماعي عند بعض الشعراء، وأن تثير هذا الوجدان؛ فأخذوا يتحدثون عن أفراحهم أو أتراحهم الناجمة عن تلك الأحداث الجسام.

ولقد كانت خيبة الأمل التي أصابت العالم العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى عندما رأوا الحلفاء يغدرون بهم بعد أن ضللوهم وحملوهم على الاشتراك معهم في الحرب والاكتواء بنارها؛ على أمل أن يمنحوا الاستقلال عند انتهائها. وإذا بالحلفاء يتنكرون لكل وعودهم، ويقررون اقتسام العالم العربي فيما بينهم؛ فكانت خيبة الأمل هذه مصدرا لقصيدة رائعة عبر فيها الشاعر ميخائيل نعيمة عن مبلغ الحزن والأسى الذي أصابه كفرد من أبناء الشعب العربي، وكانت هذه القصيدة من أروع شعر الوجدان الجماعي في أدبنا العربي المعاصر، وهي قصيدة «أخي» التي يقول فيها:

أخي إن ضج بعد الحرب غربي بأعماله،

وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله،

فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمت بمن دانا،

بل اركع صامتا مثلي بقلب خاشع دامي،

لنبكي حظ موتانا. •••

أخي إن عاد بعد الحرب جندي لأوطانه،

وألقى جسمه المنهوك في أحضان خلانه،

فلا تطلب إذا ما عدت للأوطان خلانا؛

لأن الجوع لم يترك لنا صحبا نناجيهم،

سوى أشباح موتانا. •••

أخي إن عاد يحرث أرضه الفلاح أو يزرع،

ويبني بعد طول الهجر كوخا هده المدفع،

فقد جفت سواقينا وهد الذل مأوانا،

ولم يترك لنا الأعداء غرسا في أراضينا،

سوى أجياف موتانا. •••

أخي قد تم ما لو لم نشأه نحن ما تما،

وقد عم البلاء ولو أردنا نحن ما عما،

فلا تندب فأذن الغير لا تصغي لشكوانا،

بل اتبعني لنحفر خندقا بالرفش والمعول،

نواري فيه موتانا. •••

أخي من نحن؟ لا وطن ولا أهل ولا جار،

إذا نمنا، إذا قمنا، ردانا الخزي والعار،

لقد خمت بنا الدينا كما خمت بموتانا،

فهات الرفش واتبعني لنحفر خندقا آخر،

نواري فيه أحيانا.

وكما أن شعر الوجدان الذاتي لم يكن بد من أن يتخذ لون الروح المتميزة لكل شاعر، وتتنوع نغماته بتنوع المزاج الفردي ونوع الثقافة وظروف الحياة الخاصة والعامة، فإن شعر الوجدان الجماعي لم يكن بد هو الآخر من أن تتنوع نغماته وتتعدد ألوانه، ونحن هنا إزاء قصيدة نعيمة لا نحس بثورة صاخبة متمردة ولا بنغمات خطابية مجلجلة، بل نحس بنغمات هامسة يسكبها الشاعر العربي في أذن أخيه العربي، ليعبر بها عن حزنه وأساه في روح هادئة تكاد تكون صوفية من شدة الألم، ولكنها مع ذلك روح قوية نافذة تستثير النفس وتهز أعماق الوجدان الجماعي للشعب العربي كله. فالشاعر منفعل بأحداث مجتمعه الكبرى وما نزل به من محن وآلام - لا في محاربة من ناصبهم العداء فعلا فحسب - بل وفي مجالدة أصدقاء الأمس المخادعين، وأعداء اليوم من أولئك الحلفاء الغادرين الذين لم يكادوا يفرغون من حربهم الطاحنة وينتصرون فيها حتى وجهوا نيرانهم إلى العرب الأوفياء؛ ليخمدوا ثوراتهم ويفرضوا عليهم استعمارهم البغيض وسيطرتهم الخانقة.

والظاهر أن هذه القصيدة الرائعة قد استهوت بوزنها ونغماتها الموسيقية ، ومضمونها الجماعي أفئدة الأجيال التالية من شعرائنا الشبان، وربما كانت حماستي لها في مطلع حياتي الأدبية ونضالي الحار في سبيل كل ما سميته عندئذ بالأدب المهموس، وتفضيلي له على الأدب الخطابي التقليدي؛ لها أثر في لفت أنظار شبابنا الشعراء إليها، فبين أشعار الأستاذ مختار الوكيل نلتقي من الوزن نفسه ومن القافية نفسها التي اختارها نعيمة للمقطوعة الأخيرة من قصيدته، وفيها يوجه الوكيل الخطاب أيضا بلفظة أخي؛ حيث يقول:

فن الشعر · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ١٨