تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأصدق من نقد الشاعر عزيز أباظة، وأدق حسا وأكثر اعتدالا ذلك النقد الذي وجهه الرائد عبد الرحمن شكري إلى الرمزية في إحدى مقالاته بمجلة «أبولو» عندما رأى شعراء تلك الجماعة يسرفون أحيانا في الصور الرمزية على نحو يصيب تلك الصور بالتناقض حينا، وبالتزاحم حينا آخر مما يضر بالرؤية الشعرية على نحو ما يسيء النبات بعضه إلى بعض إذا ازدحم في بقعة محدودة من الأرض.

وثمت نقد آخر يوجهه معظم النقاد العالميين أحيانا إلى الرمزية، وهو الغموض المسرف الذي يستحيل معه الرمز إلى لغز وإن كان مثل هذا النقد يخضع للنسبية إلى حد بعيد، فنحن قد نحس بالغموض الكثيف مثلا في عدد من قصائد «مالارميه» وتلميذه الكبير «بول فاليري»، ولكننا نرى النقاد يختلفون أحيانا كثيرة اختلافا بينا حول بعض القصائد لهذين الشاعرين الكبيرين، ونستطيع أن نضرب مثلا لذلك بقصيدة شهيرة لمالارميه عنوانها «البعث» حيث يقول:

لقد طرد الربيع الشاحب في حزن

الشتاء الضاحي،

وفي جسمي الذي يسيطر عليه الدم القاتم

يتمطى العجز في تثاؤب طويل. •••

إن شفقا أبيض يبرد تحت جمجمتي،

التي تعصبها حلقة من حديد وكأنها قبر قديم،

وأهيم حزينا خلف حلم غامض جميل،

خلال الحقول التي يزدهر فيها عصير لا نهاية له،

ثم آخر منهوك العصب بعطر الأشجار،

وأحفر برأسي قبرا لحلمي،

وأعض الأرض الساخنة التي تنبت النرجس. •••

وأغوص منتظرا أن ينهض عني الملل،

ومع ذلك فزرقة السماء تبتسم فوق سياج الشجر المستيقظ؛

حيث ترفرف العصافير كالزهر في ضوء الشمس.

ففي هذه القصيدة يرى بعض النقاد أن الشاعر قد بلغ في رمزيته حد الغموض الكثيف الذي استحال فيه الرمز لغزا وبعدت المسافة على الإيحاء القريب المدخل، وذلك بينما يرى نقاد آخرون أن القصيدة لا غموض فيها بالرغم مما يبدو من أنه يعكس فيها الأوضاع ويقلب المواضعات؛ إذ بطول التأمل فيها لا نلبث أن نحس بأن الشاعر قد نجح نجاحا رائعا في خلق ذلك الجو النفسي الذي يشيع في روحه ويود أن ينقله إلينا أو يوحي به وهو جو الملل المتجانس مع جو الشتاء حتى ليلوح له ذلك الشتاء ضاحيا، بينما يتمطى العجز بجسمه ويحفر برأسه قبرا لأحلامه، ويعض الأرض الساخنة التي تنبت النرجس، وعلى الرغم من كل ذلك لا يفقد الشاعر أمله؛ فزرقة السماء تعود إلى الابتسام والعصافير ترفرف في ضوء الشمس، ولعله الربيع الناهض، ولعلها القدرة تثب مكان العجز المتمطي.

وهكذا نخلص إلى أنه وإن تكن قد نهضت مذاهب جديدة تعارض الرومانسية، إلا أن هذه المذاهب مجتمعة ومتفرقة لم تستطع أن تنزع عن الشعر الغنائي طابعه الوجداني الذي يعتبر من صميم جوهره؛ فالشعر لا بد أن يظل وجدانيا، وإن تكن الرمزية قد نجحت نجاحا نهائيا في أن تغير من طرائق التعبير الشعري وأن تحل الرمز والإيحاء محل التقرير والإفصاح.

وأما الوجدان الذي يصدر عنه الشعر الغنائي فقد نجحت معارك الحياة والتيارات الوطنية والقومية والفلسفات الواقعية الاشتراكية في أن تحوله من وجدان ذاتي كما قلنا إلى وجدان جماعي، ولا نريد أن نتعقب هذا التحول في الآداب العالمية بل نكتفي بأن نتعقبه في شعرنا العربي المعاصر الذي أخذ يتأثر منذ مطلع هذا القرن أبلغ التأثر بتيارات الفكر ومذاهب الأدب والفن العالمية من الوجدان الذاتي إلى الوجدان الجماعي.

لقد كان شعراؤنا التقليديون ينظمون بلا ريب عن أحداثنا الوطنية والاجتماعية الكبرى، ولكننا قلما كنا نحس في شعرهم بارتباط وجدانهم بتلك الأحداث وانفعاله بها على نحو يميز شاعرا عن آخر بحكم أن هذا الانفعال يتخذ ألوانا متباينة بتباين الأمزجة الفردية، بل لا نحسن بموقف خاص يتخذه الشاعر من تلك الأحداث أو رأي يلتزم به إزاءها؛ فكان شعرهم أقرب إلى الصحافة المجردة منه إلى الأدب المنفعل الدائم الحياة، وكانت هذه الحقيقة الغامضة من بين الأسباب الرئيسية التي حملت مدارس التجديد المتعاقبة على نقد الشعر التقليدي الذي لا يحسون فيه بشخصية الشاعر المتميزة ولون روحه وطريقة انفعاله، ومن هنا نشأت الدعوة إلى شعر الوجدان، ولكنه لما كان الوعي السياسي والاجتماعي لم يستيقظ بعد اليقظة الكاملة، ويتغلغل في النفوس حتى ينزل منها منزلة الإيمان المحرك، وكانت ظروف الحياة العامة لا تسمح بظهور الوجدان الجماعي الذي يربط الفرد بالمجتمع، ويرد جانبا من شقائه إلى فساد هذا المجتمع أو صلاحه، لأن مثل هذا الاتجاه لم يكن يرضى عنه أو يجيزه الحكم وذوو السلطان باعتبارهم مسئولين عن هذا المجتمع؛ فقد اتخذت الدعوة إلى شعر الوجدان وجهة الوجدان الذاتي الذي يتغنى فيه الشاعر بآلامه وآماله أو يهرب منها إلى مباهج الطبيعة مرجعا سعادته أو شقاءه إلى ذاته وإلى ظروف حياته الخاصة أو إلى القضاء والقدر الذي يكني له الشاعر باسم الزمان، غير مدرك أنه لا ينفرد بهذا الشقاء؛ لأنه عام يكاد يشمل المجتمع كله أو على الأقل أن جانبا كبيرا من أسبابه يرجع إلى الأوضاع الفاسدة في هذا المجتمع.

فن الشعر · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ١٧