وفي الحق إن أروع تجديد نلمحه في شعرنا المعاصر ويميزه عن شعرنا التقليدي إنما هو المنهج الرمزي في التعبير؛ أي تفضيل الصورة دائما على التعبير المباشر والقصد إلى الإيحاء أكثر من القصد إلى الإبانة والإفصاح، وفي هذا يفترق التعبير الرمزي افتراقا دقيقا عن التعبير الكلاسيكي الذي كان يكره الغموض والإبهام، ويرى أن كل ما يدرك بوضوح يسهل التعبير عنه بوضوح، ومن المؤكد أن الرمزية السليمة لا يرجع ما فيها من إبهام إلى غموض في الإدراك أو في الرؤية الشعرية، وإنما يرجع إلى فلسفتها الشعرية التي ترى أن وظيفة الشعر هي الإيحاء بحالات نفسية مركبة لا يسهل دائما تحليلها إلى عناصرها الأولية، بل إننا حتى لو نجحنا في هذا التحليل لن نستطيع بفضله نقل العدوى بتلك الحالة النفسية المركبة من نفسنا إلى نفوس الآخرين؛ وذلك لأن كل مركب توجد فيه خصائص ناتجة عن التركيب نفسه وليست موجودة في العناصر المكونة لهذا المركب، وفي مثل هذه الحالات لا يكون أمام الشاعر وسيلة ناجحة غير وسيلة الإيحاء عن طريق الصورة والرمز، ومن المؤكد أن الذي يطربنا ويشجينا ويهز وجداننا في قصيدة مثل قصيدة العودة لشاعرنا الكبير المرحوم الدكتور إبراهيم ناجي إنما هو الإيحاء القوي عن طريق الرمز والتصوير البياني؛ حيث يقول:
هذه الكعبة كنا طائفيها
والمصلين صباحا ومساء
كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها
كيف بالله رجعنا غرباء •••
دار أحلامي وحبي لقيتنا
في جحود مثلما تلقى الجديد
أنكرتنا وهي كانت إن رأتنا
يضحك النور إلينا من بعيد •••
رفرف القلب بجنبي كالذبيح
وأنا أهتف: يا قلبي اتئد
فيجيب الدمع والماضي الجريح
لم عدنا ليت أنا لم نعد •••
لم عدنا أو لم نطو الغرام
وفرغنا من حنين وألم
ورضينا بسكون وسلام
وانتهينا لفراغ كالعدم •••
أيها الوكر إذا طار الأليف
لا يرى الآخر معنى للسماء
ويرى الأيام صفرا كالخريف
نائحات كرياح الصحراء •••
آه مما صنع الدهر بنا
أو هذا الطلل العابث أنت!
والخيال المطرق الرأس أنا
شد ما بتنا على الضنك وبت •••
أين ناديك وأين السمر؟
أين أهلوك بساطا وندامى
كلما أرسلت عيني تنظر
وثب الدمع إلى عيني وغاما •••
موطن الحسن ثوى فيه السأم
وسرت أنفاسه في جوه
وأناخ الليل فيه وجثم
وجرت أشباحه في بهوه •••
والبلى أبصرته رأي العيان
ويداه تنسجان العنكبوت
صحت يا ويحك تبدو في مكان
كل شيء فيه حي لا يموت •••
كل شيء من سرور وحزن
والليالي من بهيج وشجي
وأنا أسمع أقدام الزمن
وخطى الوحدة فوق الدرج •••
ركني الحاني ومغناي الشفيق
وظلال الخلد للعاني الطليح
علم الله لقد طال الطريق
وأنا جئتك كيما أستريح •••
وعلى بابك ألقي جعبتي
كغريب آب من وادي المحن
فيك كف الله عني غربتي
ورسا رحلي على أرض الوطن •••
وطني أنت! ولكني طريد
أبدي النفي في عالم بؤسي
فإذا عدت فللنجوى أعود
ثم أمضي بعدما أفرغ كأسي
وبالرغم من روعة هذا المذهب في طرائق التعبير الشعري، فإنه لم يرق بالبداهة لأنصار الشعر التقليدي في أدبنا المعاصر على نحو ما رأيناه لا يروق لأنصار المذهب الكلاسيكي في الغرب، فمنذ عهد قريب كتب الشاعر عزيز أباظة مقدمة لديوان «أصداء الحرية» للأستاذ عبد الله شمس الدين امتدح فيها الصياغة التقليدية لتلك الأصداء، وانتقد في عنف التعبيرات الجديدة في شعرنا المعاصر، وضرب لها الأمثال في قولهم «الأنين المشنوق»، و«الحزن الراقص»، و«الصمت المقمر»، و«الشمس المعربدة»، و«اللانهائية الخرساء» دون أن يبين أساس نقده، مع العلم بأنه إذا كان هذا النقد مبنيا على أساس فلسفة الشعر فإنه مردود بما أوضحناه من أن الشاعر قد يجد في نفسه حالات نفسية عميقة مركبة لا سبيل إلى التعبير عنها غير سبيل الرمز والإيحاء، وأما إذا كان النقد مستندا إلى أساس لغوي فإننا نراه أيضا مردودا؛ لأن الرمزية في التشبيهات والمجازات والاستعارات لا تعتبر خرقا لأصول اللغة، بل ولا لعلم البيان العربي التقليدي ذاته؛ وذلك لأنها تقوم في الرمزية على علاقة بين المشبه والمشبه به، ولكن العلاقة هنا لم تعد في الشكل الخارجي بل في الوقع النفسي لطرفي التشبيه حتى ولو كان هذان الطرفان ينتميان إلى مجالين مختلفين من مجالات الحواس كأن يكون أحدهما من مجال المرئيات والآخر من مجال المسموعات أو من مجال المشموم ما دام كل منهما ينتمي إلى صفحة النفس ويؤثر فيها تأثيرا متشابها هو أساس المجاز، فالسكون مثلا من مجال السمع وأشعة الشمس من مجال البصر، ولكن السكون قد يثير اطمئنانا وبهجة في النفس يشبهان ما يثيره فيها ضوء الشمس، وعندئذ يحق للشاعر أن يصف هذا السكون بأنه مشمس بجامع وحدة الوقع النفسي دون أن يكون في عمله هذا خروج على أصول اللغة أو أصول البيان، وإذن فالرمزية من الناحية اللغوية إنما تستند إلى أصل ثابت في لغتنا وفي لغات العالم جميعها، بل إلى الأصل الذي أثرت بفضله جميع اللغات واكتسبت وسائل جديدة للتعبير بدل الاكتفاء بالوسائل القديمة البالية.