تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه القصيدة تعتبر مثلا واضحا لشعر الغناء الموضوعي النيوكلاسيكي، وباستطاعتنا أن نجد لها شبيهات عند شاعرنا الكبير «خليل مطران» في مطولاته من أمثال قصائد «فنجان قهوة» و «الجنين الشهيد»، وإن لم تتخذ عنده صورة الحوار، ولكنها تتفق معها في أنها تصب أفكارا ومشاعر جديدة في ثوب كلاسيكي متين، وإن يكن هناك فارق كبير بين فن شينيه الساذج البسيط الأنيق وفن مطران المركب المتقن الصنعة إلى حد الخفاء.

ومن البديهي أن نظرية المحاكاة وسطوة أرسطو العقلية لم تستطع أن تتغلب على حاجة الإنسانية إلى التعبير عن ذاتها خلال الوجدان الفردي للشعراء، فلم يتوقف قط إنتاج الشعر الغنائي المنبعث عن الحاجة إلى التعبير عن الذات، ولم تنتظر الإنسانية ظهور الرومانسية لتعطيها حق التعبير عن الوجدان الذاتي؛ فقد ظل هذا الشعر حيا في عصور الإنسانية جميعها منذ القدم حتى اليوم، وأما الذي أحدثه الرومانسيون فهو تغليب هذا المنبع الشعري على غيره من المنابع، وجعله المنبع الأول لتلك الثروة الشعرية الضخمة التي خلفها لنا أمثال: هيجو، ولامارتين، وموسيه، وشيلي، وبيرون، وكلوردج، وكيتس، ووردزويرث، وكل ذلك العدد الكبير من العمالقة الذين نادوا بأن الشعر وجدان، أو على الأدق تعبير عن الوجدان الفردي للشاعر، وعلى نحو أخص من خلجات قلبه وأحاسيسه بجمال الطبيعة أو حماسة الإيمان؛ حتى لنرى عندهم قصائد يوحي عنوانها بأنها قصائد وصفية مثل قصيدة «البحيرة» للامارتين، ومع ذلك نقرأ هذه القصيدة التي كتبها على ضفاف بحيرة بورجيه في جبال السافوي بفرنسا فلا نجد فيها أي وصف لتلك البحيرة، وقد استحالت إلى مجرد إطار لتجربة عاطفية عاناها على ضفافها مع حبيبته «الفير» التي قضى معها على ضفافها خمسة عشر يوما سنة 1816 ثم تواعدا على العودة إليها في العام القادم، ولكن شاء القدر أن يعود لامارتين وحده، أما الحبيبة فكان الموت قد طواها بذات الرئة، فكتب هذه القصيدة الرائعة باسم «البحيرة» وما فيها من وصف البحيرة غير ملامح خاطفة، أما بقية الشعر فعن ذكرياته مع الحبيبة، ولواعجه على موتها المبكر وما يسوقه إلى الشاعر من تأملات في الحياة والموت، وتلقف الغناء لفترات السعادة التي نصادفها في حياتنا العابرة. فالقصيدة كلها تعبير عن ذات الشاعر لا وصف للبحيرة أو محاكاة لصورتها الشعرية التي انعكست في نفسه؛ وبذلك يمكن القول بأن الكلاسيكية المستندة إلى نظرية المحاكاة الأرسططالية ونظرية التعبير عن الوجدان الفردي، وهي النظرية التي يسهل ربطها بالإلهام الشعري قد وضعتا نهائيا القطبين اللذين لا يزال الشعر يتأرجح بينهما منذ فجر الإنسانية حتى اليوم، وإليهما ترجع في أيامنا هذه النظريتان الكبيرتان اللتان يتنازعان العالم، وسيظلان يتنازعانه إلى أمد طويل، وهما «نظرية الواقعية والنظرية الرومانسية».

غلبت إذن النظرية الرومانسية الحاجة إلى التعبير عن الوجدان الذاتي على غريزة المحاكاة الموضوعية حتى رأينا هذا الوجدان يطغى على كل شعر رومانسي، ولو أوحى بأنه شعر وصفي موضوعي، وها هي ذي قصيدة البحيرة للامارتين شاهدا على ذلك:

أنظل هكذا منساقين أبدا إلى شواطئ جديدة،

محمولين دائما وسط الليل الأبدي بغير رجعة؟

أوما نستطيع أن نلقى بمرساتنا يوما

على شاطئ الزمن اللجي؟ •••

أيتها البحيرة، لم يكد العام يتم دورته، ومع ذلك انظري ها أنا وحدي جالسا فوق هذه الصخرة

التي رأيتها تجلس عليها،

وإلى جوار أمواجك العزيزة التي كانت ستعود إلى رؤيتها. •••

هكذا كنت تهدرين تحت هذه الصخور العميقة،

وهكذا كنت تتكسرين على جوانبها الممزقة،

وهكذا كانت الرياح تلقي بزبد أمواجك

فوق قدميها المعبودتين.

أوما تذكرين كيف كنا نجدف صامتين ذات مساء،

فن الشعر · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ١١