راعي الغنم :
لا شك أنها تظهرك على مواقع أقدامها، أما أنا فلا أستطيع أن أراها، وعيناي عينا رق، أرسل الطرف فلا أرى إلا أرضا مجدبة مهلكة، حملتها كارها على أن تدر الخير على غيري، تحت الشمس المحرقة أكدح لأحصد ما يتغذى به غيري وأنا أتضور جوعا، وذلك كل ما أعرف عن تلك الأرض، حتى لكأنها لم تكن لي أما كما كانت لكم بل زوجة أب، والطبيعة كلها ليست أشد وقعا على بصري، وألما لنفسي من وادي الموت الذي تراه هنا والذي يملؤك رعبا.
راعي المعز :
ومهام غنمك وهمس ثغائها الرقيق الهادئ، أما في ذلك ما يدخل السرور على نفسك الجامدة، أما تطربك رؤية حملانك الوادعة النظرات؟ كما تطربني مداعبة صغار معزي، وقد أخذت تمرح وتجري مرسلة في الهواء أصواتها الرقيقة! لكم من مرة أراها تهرول فوق الندى، ولامع الحشائش إلى جوار أمهاتها؛ فأقفز معها فرحا طروبا.
راعي الغنم :
المعز معزك، وأما أنا فنصيبي من الحياة غير نصيبك، فتلك الغنم هي مصدر بلواي، أسرح بها مرتين في النهار، وكلما عدت وجدت سيدي في انتظاري، والظنون تساوره وقد عز رضاه: «لم ينم صوفها، لقد ضوت أجسامها، وتثاقلت خطاها، و... و...» فلا شيء يروقه. إذا سقط بها ذئب واختطف واحدة منها موليا إلى الغابة فالذنب ذنبي، لقد كان علي أن أغالب أنيابه الماضية، بل من واجبي أن أستأنس الذئاب!! ثم ينهال علي صياحا وتهديدا وسبابا وقسوة مبرحة يسميها عقابا.
راعي المعز :
لقد عهدت الآلهة رءوفة بالبريء، فلم تهجر رحابها وفي رحابها نصر للمستضعفين! لم لا تأتي إلى مذابحها وقد حلتها الزهور فترقص معنا حولها، وقد حملت إليها متواضع الهدايا، قليلا من حشائش المروج وزهر الغابات، وأنت بذلك نائل عطف «زيس» وعرائس الطبيعة الرحيمة.
راعي الغنم :
لا، إن قلبي الحزين لا يعرف رقص الرعاة ولا ألعابهم ولا مسراتهم، كل ذلك غريب عني، وفيم حديثك عن الآلهة وهداياها، أو عن عرائس الطبيعة، وما عندي للآلهة ورد ولا ريحان؟ إني أخشى آلهتك وقد رأيت رعدهم وبرقهم، وهم الذين وضعوا بيدي الأصفاد.
راعي المعز :
هه! ولم لا تحب؟ وأي ألم مر يقوى على ابتسامة عذبة تبسمها عذراء القلب؟! لقد أتيت أول أمس إلى حبيبتي مهديا باكورة ما أنتجت معزى هذا العام؛ ماعزا صغيرا، تلقته وقد استحالت نظراتها رقة وجمالا ومحبة، وأخذ صوتها نبرة لا أزال أحس بوقعها الجميل في نفسي.
راعي الغنم :
وأي عذراء تقبل أن تنظر إلي، أعندي من المعز ما أستطيع أن أقدم منه هدية مثلك؟ وكل يوم يعد سيدي الفظ الغليظ حملانه في حرص بشع حتى ليثلج قلبي عندما لا يطالبني بأكثر مما أعطاني. «تميزيس» آلهة الانتقام! أقسم أن لو أصبحت يوما سيدا لأكونن قاسيا فظا غليظا، ولأنزلن الويل والثبور بأرقائي كما أنزل بي هذا الرجل.
راعي المعز :
وأما أنا فأستشهدك آلهتي، أن أكون رقيقا حليما بخدمي المخلصين، وأن أرضي أماني نفوسهم، حتى يشعروا بالسعادة، فيحبوا سيدهم، وحتى يرضوا عن الحياة، فيباركوا يوم ولدوا.
راعي الغنم :
وأما أنا فأصب اللعنة على تلك الساعة المشئومة التي أتيت فيها إلى هذه الحياة لأشقى بها، لأكون تحت إمرة آخر يأمرني وينهاني، وقد جردت من كل شيء، واستحال علي أن أروق لأي إنسان، والجوع يضويني، وقد انصرف كدي وألمي إلى آخر يشبع به بطالته وكبرياءه.
راعي المعز :
أيها الراعي البائس، إن في حزنك الشاكي ما يحمل الأسى إلى قلبي، انظر إلى هذه الماعزة وولديها، وفي بياضهما ما يشبه ما ادخرت لهما من لبن، هي لك، خذها وإلى عناية الله، ولتسأله أن يجعل في هذا القليل الذي أمنحك ما يمحو من ذاكرتك آثار آلامك، وأن تجد في العناية بها ما يصرفك عن بلواك.
راعي الغنم :
هاتها وعليك اللعنة، وأنا أعلم أن في هديتك ما سينغص حياتي، فسوف ينظر إليها سيدي شزرا منكرا أن يمنحني إياها مانح وهو الخبيث الحسود، سيقول إني اختلست منه ثمن الأم وثمن ولديها، سيتذرع بتلك الدعوى ليسلبني إياها، وعهدي به ملتمسا للظلم كل عذر.