تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكنا لا نسمع عن بعد فوق الموج وتحت السماوات

غير حفيف المجاديف وهي تضرب في صمت

أمواجك الناغمة؟ •••

وفجأة ترددت في الشاطئ

أصداء نغمات تجهلها الأرض،

فأنصت الموج وتساقطت من الصوت الحبيب

هذه الكلمات: •••

أيها الزمن، قف جريانك.

وأنت أيتها الساعات السعيدة قفي انسيابك،

واتركينا ننعم باللذات العابرة،

التي تتيحها أجمل أيامنا. •••

كثير من منكوبي الحياة يضرعون إليك

فأسرعي! أسرعي عنهم،

واحملي مع أيامهم الآلام التي تنهشهم،

وانسي السعداء.

ولكنني أسألك عبثا فضلا من اللحظات؛

فالزمن يفلت ويهرب،

وأقول لهذا الليل تمهل،

والفجر سيبدد الليل. •••

فلنحب إذن، فلنحب!

ولنسرع إلى المتعة باللحظة الهروب؛

فالإنسان لا مرفأ له، والزمن ما له من شاطئ،

إنه ينساب وننساب معه. •••

أيها الزمن الغيور،

هل يجوز أن تنساب عنا لحظات النشوة،

التي يسكب لنا فيها الحب السعادة جرعات طوالا،

بالسرعة نفسها التي تنساب بها أيام الشقاء؟

ثم ماذا؟ أوما نستطيع أن نستبقي الأثر؟

أهكذا تمر إلى الأبد؟ أهكذا يضيع كل شيء؟

وهذا الزمن الذي منحها والذي محاها،

لن يردها إلينا قط. •••

أيها الأبد، أيها العدم، أيها الماضي، أيتها الأغوار الداكنة، ماذا تفعلين بما تبتلعين من أيام؟

تكلمي، هل ستردين إلينا تلك النشوات العلوية

التي تسلبينها منا؟ •••

أيتها البحيرة، أيتها الصخور الصامتة، والكهوف والغابة الحالكة،

أنت التي يستبقيك الزمن أو يجدد شبابك،

احتفظي من هذه الليلة، أيتها الطبيعة الجميلة،

على الأقل بالذكرى. •••

وفي لحظات هدوئك أو صخبك،

أيتها البحيرة الجميلة، وفي شواطئك الباسمة،

وفي صنوبرك الأسود وصخورك الموحشة

الحانية فوق أمواهك، •••

وفي النسيم الذي يرتعش ويمر،

وفي النغمات التي ترددها شطآنك،

وفي النجم الفضي الذي يضيء صفحتك

بأشعته الرخية، •••

وفي الريح التي تئن والغاب الذي يتنهد،

وفي العطور الخفيفة المنسابة في أريج هوائك،

وفي كل ما يسمع وما يرى وما يتنفس،

ليتردد في كل هذا: أنهما كانا حبيبين.

هذا، ومن الخير دائما أن نذكر مع الفيلسوف فيكو أن محور الأدب في تاريخ الإنسانية كلها قد تطور من الآلهة إلى الأبطال، فالإنسان، وأنه ما دام قد انتهى إلى الإنسان فلم يكن بد من أن يصبح دافعه ومنبعه الأول هو التعبير عن ذات ذلك الإنسان، وما ينطبع فيها من مشاهد الحياة والطبيعة، أو ينبع من داخلها وحاجاتها وأشواق روحها، وهذا هو ما انتهت إليه الرومانسية التي جعلت من الوجدان الفردي نبع الشعر الثري، وإن تكن قد اختلفت بعد ذلك مع المذهب الرمزي في طريقة التعبير عن انطباعات الذات الفردية، وهل يكون هذا التعبير عن طريق التقرير المباشر أم عن طريق التصوير، وبذلك نعود فنذكر قول الشاعر الإغريقي القديم سيمونيدس: «إن الرسم شعر صامت، بينما الشعر رسم ناطق.» وهذه هي مشكلة التعبير بين الرومانسية والرمزية على نحو ما سنفصل في الحديث القادم.

| الشعر والوجدان الفردي

من المؤكد أن الرومانسيين قد وضعوا للشعر الغنائي فلسفته النهائية عندما أخرجوه عن دائرة المحاكاة، وقالوا إنه تعبير عن الوجدان الفردي للشاعر بحيث نستطيع أن نقول إن جميع المذاهب الأدبية التي تلت الرومانسية لم تستطع أن تغير جوهر تلك الفلسفة؛ فقد ظل الشعر الغنائي منذ ذلك الحين حتى اليوم شعرا وجدانيا، فالرمزية لم تهاجم الطابع الوجداني للشعر الغنائي، بل أرادت أن تغير من فلسفة التعبير، فتستعيض بالصور عن التقرير المباشر، ولا تأتي بالتشبيهات والاستعارات والمجازات لجامع شكلي بل لجامع نفسي؛ أي كوسيلة للتعبير عن انطباعات النفس لا عن مظاهر الشكل الخارجي، والسيريالية لا تغفل الوجدان الفردي، بل تحاول أن تغوص إلى أغواره لتكشف عن عالم اللاوعي ومكبوتاته، والمذهب التعبيري يستهدف هو الآخر إبراز انطباعات النفس المتولدة عن مشاهد الطبيعة أو عن تجارب الحياة.

فن الشعر · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ١٢