تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقصيدة «الحرية» لأندريه شينيه تعتبر مثلا واضحا للشعر الغنائي الذي يمكن أن يقوم على أساس نظرية المحاكاة؛ فالشاعر يريد أن يظهرنا فيها على نزعات الخير التي لا بد أن تنمو في نفس الرجل الحر مقابل نزعات الشر التي لا بد أن تنمو في نفس العبد، وكأنه بذلك يعطينا صورة لنفس الرجلين كما يراها، وإن يكن قد عبر في الوقت نفسه عن وجدانه الخاص وطريقة انفعاله بالوضعين وسخطه على أحدهما ولكن بطريق غير مباشر، وإن يكن من القوة والوضوح بحيث يخرج هذا الحوار الشعري من مجال الأدب التمثيلي إلى مجال الأدب الغنائي.

وها هي ذي القصيدة:

راعي المعز :

أيها الراعي، كيف أنت؟ وما بك؟ ما هذه الشعور السوداء التي نشرتها الآلهة فوق بصرك؟

راعي الغنم :

هيه! نعم! وأما أنت فذو شعر جميل أصفر، أهذا ما تريد أن أعلمه! هيه! نعم! جبينك أوضح من جبيني، ونظراتك أرق من نظراتي، أليس كذلك؟

راعي المعز :

قل لي إذن، أمن هذه الجبال الموحشة أتيت من حيث لا تلقى أحدا سواك والسبيل وعرة مخيفة؟

راعي الغنم :

وأما أنت فتنعم بلا ريب بالمروج والغابات، وذلك في متناولك، لك أن تجلس بين الحشائش المزهرة، أما أنا فمأواي الكهوف المقفرة؛ حيث يطيب لي أن أجلس على الصخر حتى ينصرم ضوء النهار.

راعي المعز :

ولكن إلهة الخصب «سيريس» قد أنزلت بتلك الصخور لعنتها، فهناك تتدفق السيول حصباء حاملة قاتم الموج، وقد أحرق لهيب الشمس أديم الصخر؛ يكوي أرجل عابري السبيل الذين يخفون عنها، وقد عريت عن جميل الزهر وحلو الفاكهة فلا تجد بها البلابل من الظلال الوارفة ما تأوي إليه إلا أن تكون أشجار الزيتون المنتثرة على مسافات بعيدة، وفي منظرها الجاف وقلة ما تعطيه من خيرات ما يزيد الجدب المحزن وضوحا، كيف تستطيع إذن أن تجد بين تلك الصخور من الحشائش ما تغذي به غنمك الجائعة؟

راعي الغنم :

وماذا يعنيني من أمر الغنم؟ أهي لي؟ ما أنا إلا عبد.

راعي المعز :

لا أقل إذن من أنك وجدت في ناي الغاب ما تؤنس به وحشتك وسط جدب الصخور، خذه! أما تريد هذا الناي؟ لقد صنعته بيدي خذه، ولترسل أنفاسك في غابه، وغابه عذب الأغاني، ولتسمعنا من النغمات ما تحاكي به تغريد الطيور.

راعي الغنم :

لا، احتفظ بعطائك، ما أريد أن أسمع إلا طيور الظلام من بوم وعقبان، وفي نعيبها بالغناء ما يكفيني، ولا أريد أن أحاكي غير أغانيها ... وأما نايك فأنا محطمه تحت أقدامي، إنني لأبغض كل مسراتكم، وقلبي لا يخفق لجمال الزهر ولا لرقة الندى ولا لزفرات البلابل العذبة، لقد أغلقت حواسي دون ذلك كله، ألست عبدا؟

راعي المعز :

وا حسرتاه! إنك لجدير بالرحمة، نعم ما أقسى الرق! نعم، لكل حي أن يخشى نيره، ونيره ثقيل الحمل، ما أتعس أن نعيش لغيرنا وقد سلبنا ذلك الغير كل شيء! أيتها الحرية، أيتها الحرية العزيزة، ابسطي فوقي جناحيك، يا أم الفضائل، يا أم الوطن.

راعي الغنم :

اغرب عني، ما الفضائل وما الوطن إلا كلمات خاوية، ثم إن في حديثك ما يجرحني، وفي سعادتك المدعاة ما يحزنني ويثير حفيظتي، بودي أن لو كنت مثلي عبدا.

راعي المعز :

وأما أنا فأود أن أراك مثلي حرا سعيدا، ولكن أما عند الآلهة من دواء لبلواك؟ لدينا بلاسم عذبة ومياه صافية تسكن بها جراح النفوس، لدينا من سحر الأغاني ما يجفف دمع الجفون.

راعي الغنم :

لكم ذلك، أما أنا ... فلا ... ليس لي إلا الآلام، لقد حكم القضاء أن أكون عبدا، ولا بد من نفاذ حكمه، وإلى جواري كلبي أسترقه بدوري حتى لترعده إشارتي، وما لدي غيره، ينتقم منه يأسي الصامت لما ينزل بي من آلام.

راعي المعز :

وتلك الأرض التي عنها صدرنا، وخصبها العذب أما تستطيع أن تشفي من آلامك؟ انظر إلى جمالها المشرق، انظر إلى الصيف البهيج؛ يغدق نعمه وقد أقبل تسوقه أشعة الشمس، يحنو على المروج فيباين من رداء الربيع الأخضر، انظر إلى حبات المشمش وقد أخذت عذوبتها تذكو، ولونها يصفو كعسل النحل، انظر إلى زهر الخوخ البنفسجي وقد زين أشجاره معلنا ما سوف يتبعه من حلو الفاكهة، انظر إلى حقول الغلال وقد تكاثفت سنابلها في غابات صفراء منتظرة مناجل الحصاد، إن في ذلك لحفلا نبيلا من إلهة الطبيعة. ها هي ذي إلهة السلام وآلهة الخصب الصافيتا النظرات، الهادئتا اللحاظ تخفان إلينا وبأيديهما سنابل، وقد تبعتا آثار إله الأمل؛ لتسكبا من القرن الذهبي مشرق الخيرات.

فن الشعر · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فن الشعرص ٩