تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون . وضع الإسلام أساسه، وبنى عليه الخلفاء سياستهم، ثم انتقض بناؤه في دولة بني مروان، ومذ شعرت الأمم الآخذة بمذاهب الحرية بأنه الضربة القاضية على السلطة الشخصية طفقوا يهرعون إلى إقامة حكوماتهم على قاعدته المتينة.

وأخذ عمر بقاعدة الشورى في أمر الخلافة من بعده، ففوض أمرها إلى ستة من كبراء الصحابة؛ ليختاروا رجلا منهم، وقال لهم: «ويحضركم عبد الله بن عمر مشيرا، وليس له من الأمر شيء.» وضمه عبد الله بن عمر إلى الستة وتشريكه لهم في الرأي وارد على ما ينبغي في مجالس الشورى من جعل نظامها مؤلفا من العدد الفرد؛ ليمكنهم ترجيح جانب الأكثر عند الاختلاف، ويلوح إلى هذا بطرف خفي قوله تعالى:

ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ، فذكر العدد الفرد صراحة والاقتصار عليه دون الزوج في ضمنه إشارة إلى ما ينبغي مراعاته في المجالس المؤلفة للمناجاة.

هذا هو الأصل في الشورى، وقد تؤلف من عدد زوج، ويعتبر أحد أفراد اللجنة بمنزلة رجلين اثنين ويسمى رئيسا لها، فيرجح به الجانب الذي ينحاز إليه عند التساوي، والدليل على صحته شرعا قول عمر بن الخطاب لأبي طلحة الأنصاري: «إن الله قد أعز بكم الأنصار، فاختر خمسين رجلا من الأنصار، وكن مع هؤلاء حتى يختاروا رجلا منهم.» ثم قال له: «وإن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلا، فحكموا عبد الله بن عمر، فإن لم يرضوا بعبد الله فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف.»

والمشورة سنة متبعة عند بعض الأمم من قديم الزمان، وردت في قصة بلقيس حين دعاها وقومها رسول الله سليمان عليه السلام أن لا يعلوا عليه ويأتوه مسلمين قال الله تعالى:

قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين * قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ، ووردت الشورى في قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه، قال الله تعالى:

قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم * يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين ، لكن قاعدة الشورى بين فرعون وملئه لم تطرد على أساس صحيح بدليل ما سام به بني إسرائيل من العذاب المبين.

وقطع مجلس الشورى عند فرعون رأيه، وأبرم في النازلة حكمه؛ لأنه فوض إليهم ذلك بقوله:

فماذا تأمرون ، وليس له من الأمر شيء سوى تنفيذ أعمالهم، والعمل بما يشيرون بخلاف مجلس الشورى عند ملكة سبأ، فلم يزيدوا على أن عرضوا عليها رأيهم بطريق التلويح حين قالوا:

نحن أولو قوة وأولو بأس شديد

يشيرون إلى اختيار الحرب، ثم وكلوا الأمر إليها بقولهم:

والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ؛ لأنها لم تفوض إليهم الحكم في القضية، وإنما طلبت منهم أن يصرحوا بآرائهم ويبوحوا بأفكارهم فقط؛ بدليل قولها:

ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ، أي إلا بمحضركم، وقولها:

أفتوني في أمري

أي اذكروا ما تستصوبون فيه، ولأنها زيفت رأيهم وأشعرتهم بأنها ترى الصلح مخافة أن يتخطى سليمان عليه السلام حدودهم، فيسرع إلى إفساد ما يصادمه من أموالهم وعماراتهم، فقالت:

إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها .

لا تكون قاعدة الشورى من نواصر الحرية وأعوانها، إلا إذا وضع حجرها الأول على قصد الحنان والرأفة بالرعية، وأما المشاركة في الرأي وحدها، ولا سيما رأي من لا يطاع، فلا تكفي في قطع دابر الاستبداد.

وأهم فوائد المشورة تخليص الحق من احتمالات الآراء، وذهب الحكماء من الأدباء في تصوير هذا المغزى وتمثيله في النفوس إلى مذاهب شتى؛ قال بعضهم:

الحرية في الإسلام · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية في الإسلامص ٦