تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

يتولى الحكومة على الجاني، ويباشر فصل النوازل بنفسه من غير أن يدور في حسبان مسلم مطالبته بإعادة النظر في القضية أو استئنافها لدى غيره، وما كانوا يرون قضاءه إلا حكما مسمطا، يتلقونه بأذن واعية وصدر رحيب؛ لعلمهم يقينا كعمود الصبح أنه حكم الله الذي لا يقابل بغير التسليم، قال تعالى:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ، وقال تعالى:

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم . وإن تعجب فلا عجب لهذا؛ فإن الوازع الشرعي قد يتمكن من النفوس الفاضلة إلى أن يصير بمنزلة الطبيعي أو أقوى داعيا. وسهل انقياد العرب على ما كانوا عليه من الأنفة وصعوبة المراس، وانصاعوا إلى قانون الشريعة مجملا ومفصلا من جهة أن الدين معدود من وجدانات القلوب؛ فالانقياد لأحكامه من قبيل الانقياد إلى ما يدعو إليه الوجدان. وليست الشرائع الوضعية بهذه الدرجة، فإن الناس إنما يساقون إليها بسوط القهر والغلبة، ويحترمونها اتقاء للأدب والعقوبة، ولا يتلقونها بداعية من أنفسهم، إلا إذا أدركوا منها وجه المصلحة على التفصيل.

وإنما ورد من فصل قضائه

صلى الله عليه وسلم

قدر يسير بالنسبة إلى مدة حياته، لما كانت عليه حالة المسلمين يومئذ من الاستقامة والتئام العواطف القاضية بأن تكون معاملاتهم خالية من الدسائس خالصة من المشاكل، وهكذا ما ساد الأدب وانتشرت الفضيلة بين أمة إلا اتبعوا شرعة الإنصاف من عند أنفسهم، والتحفوا برداء الصدق والأمانة بمجرد بث النصيحة والموعظة الحسنة فيخفت ضجيج الضارعين وصخب المبطلين، ولا تكاد تسمع لهما في أجواف المحاكم حسيسا. وضم

صلى الله عليه وسلم

إلى السلطة القضائية فيما يخص الحق المدني سلطة التنفيذ فيما يختص بحقوق الأمم، كإشهار الحرب وإبرام الصلح وتلافي أمر الهجوم، ولم يكن مع يقينه باستماتة أصحابه في طاعته، وتفاني مهجهم في محبته لينفرد عنهم بتدابير هذه السلطة، بل يطرحها على بساط المحاورة، ويجاذبهم أطرافها على وجه الاستشارة عملا بقوله تعالى:

وشاورهم في الأمر ، وقد يترجح بعض الآراء بوحي سماوي، كما نزل قوله تعالى:

ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض

مؤيدا لرأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أسارى بدر.

أذن له

صلى الله عليه وسلم

بالاستشارة وهو غني عنها بما يأتيه من وحي السماء؛ تطييبا لنفوس أصحابه، وتقريرا لسنة المشاورة للأمة من بعده، أخرج البيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس، قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها - أي المشورة - ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا، ومن تركها لم يعدم غيا.»

وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من العلم بقوانين الشريعة والخبرة بوجوه السياسة في منزلة لا يطاولها سماء، ومع هذا لا يبرم حكما في حادثة إلا بعد أن تتداولها آراء جماعة من الصحابة، وإذا نقل له أحدهم نصا صريحا ينطبق على الحادثة، قال: «الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا.»

وعهد بأمر الخلافة إلى عمر بن الخطاب بعد استشارة جماعة من المهاجرين والأنصار؛ مثل عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وأسيد بن حضير وسعيد بن زيد وغيرهم، وإنما لم يبق الأمر شورى بينهم كما صنع الخليفة الثاني، أو يتركه لآراء المسلمين عامة، كما فعل النبي

صلى الله عليه وسلم

اعتمادا على ما تفرسه في عمر من الكفاءة والمقدرة، وحذرا من أن تتنازعها ذوو الأهلية، فتثور ثائرة الفتنة ويرتخي حبل الأخوة في أيدي المسلمين.

ونحا عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الجادة شبرا بشبر وذراعا بذراع، قال من خطبة أرسلها في هذا الغرض: «كذلك يحق على المسلمين أن يكونوا وأمرهم شورى بينهم وبين ذوي الرأي منهم .» ثم قال: «ومن قام بهذا الأمر فإنه تبع لأولي رأيهم ما رأوا لهم ورضوا به لهم.» وهذا إيماء إلى الحكم النيابي، ويدل له من كتاب الله قوله تعالى:

الحرية في الإسلام · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية في الإسلامص ٥