إذا عن أمر فاستشر فيه صاحبا
وإن كنت ذا رأي تشير على الصحب
فإني رأيت العين تجهل نفسها
وتدرك ما قد حل في موضع الشهب
وقال غيره:
اقرن برأيك رأي غيرك واستشر
فالحق لا يخفى على إثنين
والمرء مرآة تريه وجهه
ويرى قفاه بجمع مرءاتين
وقال آخر:
الرأي كالليل مسود جوانبه
والليل لا ينجلي إلا بمصباح
فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى
مصباح رأيك تزدد ضوء مصباح
ولا يدخل في وهم امرئ سمع قولهم: «إنما العاجز من لا يستبد» أن اقتداءه بسنة الشورى يشعر الناس بعجزه وحاجته إليهم، فتسقط جلالته من أعينهم ويفوته الفخر بالاستغناء عنهم؛ فإن الناصح الأمين لا تجده يجعل الفخار محورا يدير عليه سياسته، فيلقي له بالا، وإنما يبني أعماله على مصالح يجلبها أو مفاسد يدرؤها، ومن كان يريد التمجيد والثناء، فنعته بعدم الانفراد بالرأي أفخر لذكره وأشرف لسياسته من وصفه بصفة الاستبداد، قال تعالى في الثناء على الأنصار:
والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم
أي لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وروي أن هذا دأبهم من قبل الإسلام، ولعله هذا هو الوجه في مخالفة أسلوب الوصف به لما قبله وما بعده، حيث أورد في جملة اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار.
ومن فوائدها استطلاع أفكار الرجال، ومعرفة مقاديرها، فإن الرأي يمثل لك عقل صاحبه كما تمثل لك المرآة صورة شخصه إذا استقبلها.
| المساواة
خلق الله الناس بحسب فطرتهم متماثلين، وكذلك ولدتهم أمهاتهم أحرارا متكافئين، ولكن دخولهم في ملاحم الحياة الاجتماعية ينزع عنهم لباس التماثل والتساوي، ويرفع بعضهم فوق بعض درجات، وقد جمع هذه الأطوار الثلاثة قوله تعالى:
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم
فقوله:
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
رمز إلى فطرتهم الأولى، وقوله:
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
إيماء إلى نشأتهم الاجتماعية، وقوله تعالى:
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
تلويح إلى طور التمايز والتفاضل، وإيذان منه تعالى بالوسيلة التي نبتغيها إلى مقام الكرامة عنده وهي التقوى.
وقد روعي في الإسلامية فطرة الله التي فطر الناس عليها، فوضعت تكاليفها على شكل التكافؤ ، وأديرت سياستها على قطب المساواة، فلا فضل فيها لشريف على وضيع، ولا امتياز لملك على سوقي، والعقوبة الموضوعة على صعلوك الأمة هي المحمولة على سيدها بدون فارقة، فلو ادعى أبو بكر الصديق أو عمر بن الخطاب على أدنى الناس وأفسقهم درهما واحدا، لم يقض له باستحقاقه إلا بشهادة عادلة، وهذا المعنى عام في جملة الشريعة وتفاصيلها، ولا يبعد استفادته من الآية التي كنا بصددها؛ فإن قوله تعالى:
إن أكرمكم عند الله أتقاكم
وضع جميع الامتيازات وطرحها عن محل العناية والاعتبار ما عدا التقوى. والتقوى نفسها لم يجعل الشارع لها أثرا في تغيير الحدود أو الاختصاص بحظ زائد من الحقوق، ضرورة أن التقوى عبارة عن العمل طبق أحكام الشريعة بنية وإخلاص؛ فالشريعة سابقة على العمل، والعمل تابع لها، ولم يخرج عن هذا الأصل إلا بضعة أحكام خص بها النبي
صلى الله عليه وسلم
أفرادا من الصحابة بأعيانهم، كجعل شهادة خزيمة بشهادتين؛ فإنه أسرع دون من حضر من الصحابة إلى الشهادة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
بأنه قد بايع الأعرابي، واستند في شهادته إلى البراهين الدالة على وجوب تصديقه
صلى الله عليه وسلم
في كل ما يخبر به، لا فرق بين ما يخبر به عن الله وبين ما يخبر به عن غيره، فتفطنه لأخذ حكم هذه القضية من الأدلة العامة مزية استحق بها هذه الخصوصية.
ونظرا إلى قاعدة المساواة قال علماء الأصول: خطاب الشارع لواحد إن لم يدل الدليل على اختصاصه بالحكم يعم جميع الأمة. ولكن تنازعوا في طريق العموم، قالت الحنابلة: يتناولها بنفس الصيغة. وقال غيرهم: يتناولها بالدليل المرشد إلى تساوي الأمة واشتراكها في الأحكام.