تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما برح ابن خلدون منقطعا لبث العلم حتى بدا لأبي حمو أن يبعثه سفيرا إلى الذواودة؛ ليراوضهم إلى طاعته ويجمعهم على ولائه. فلبى طلبه في الظاهر، وخرج وهو يسر في نفسه أن لا يعمل لهذا السبيل بعلة أنه أصبح يعز عليه بذل شيء من أوقاته في غير الوجهة العلمية. ولعله سئم التدخل في السياسة التي قد تلتوي به مع أهواء الأمراء، وتحمله على أن يسعى في استنجاد القبيلة لمن كان يغريها عليه.

ولما وصل إلى البطحاء ولى وجهه عن ناحية الذواودة جانبا وثنى عنانه إلى أولاد عريف، فأنزلوه بقلعة أولاد سلامة، وأقام بينهم أربع سنين في جو هادئ، وبيئة لا تجيش فيها مراجل الحسد، ولا تنفث فيها الوشاية سما ناقعا. وفي هذه السنين - التي كانت مهبط السكينة وصفاء الفكر وارتياح الضمير - شرع في تأليف تاريخه الفائق، ولذلك الحين أتم مقدمته على نسجها الحكيم، وتحقيقها البديع. (22) عودته إلى وطنه

سل يده من كل شاغل، وألقم فكره ثدي الاستنتاج والتفقه في المقاصد العلمية والشئون العمرانية حتى بلغ في مجالها شأوا لا يشق غباره، فتاقت نفسه إلى زيادة التوغل في أسرار العلم والاستفادة من كتب لا تنالها الأيدي إلا في الحواضر، فراسل صاحب تونس أبا العباس بالعودة إلى تونس التي هي مسقط رأسه ومسحب ذيل شبابه ومجرى جياد أنسه، فما تريث أن طلع عليه جواب السلطان يأذن له بالقدوم ويحثه عليه، فانبرى يطوي الفيافي حتى أوى إلى ظل عنايته، وأنزله منزلة المغتبط بسابغات عزه، ومظاهر كرامته.

ظن ابن خلدون - مذ حط رحله بين قومه، وسحب رداء العز في وطنه - أن الزمان صافحه بيد المصافاة، وأن الحوادث أصبحت تهاب أن تغشى ساحته، فإذا تقريب السلطان له واستخلاصه جليسا يضرم في قلوب فريق من الناس نار الغيرة والحسد، فلم يتمالكوا أن باتوا ينصبون له حبائل الوشاية، ويهمسون في أذن السلطان بما يوغر صدره عليه. ومما تعلقوا به في أسباب الكيد به تخليه عن صوغ الشعر في مديح السلطان، وزعموا لديه أنه لم يعن بمديحه كما عني بمديح سلاطين المغرب والأندلس؛ استخفاقا بمقامه، وكفرانا لنعمته.

وقد ضل هؤلاء عن سواء السبيل؛ فإن العالم الأديب قد يهفو به نزق الشباب أو ينساق بحكم الضرورة إلى مديح بعض الرؤساء، حتى إذا بلغ في العلم أشده، وخلع عليه التقدم في السن حلة السكينة والوقار؛ عافت نفسه ذلك الفن المزري من الشعر، وجمدت قريحته دون أن تنطف فيه بقطرة. فيجب على صاحب الدولة الرشيدة أن يكون على همة أسمى من أن تتشوف إلى سفاسف الأمور، وأطهر من أن ترضى للذين أوتوا الحكمة أن يلقوا بأنفسهم في حضيض الملق والاستعطاف، بل الأمجد لذكره، والأدعى لحمده أن يكون إكرام العلماء في نظره حقا تقتضيه فضيلة العلم بنفسها. (23) تقديم تاريخه إلى صاحب تونس

فاجأه صديق له - كان أحد بطانة أولئك السعاة - بما يكيدونه به تحت ستار، وكان قد اعتزم على أن يقدم للسلطان نسخة مما كمل من تاريخه. فانتهز الفرصة وأنشده ساعة إهدائه الكتاب قصيدة أمتعها بذكر سيره وفتوحاته، ونسج في ذيلها الاعتذار عن انتحال الشعر بأسلوب بليغ، ويقول في هذا الاعتذار:

وإليكها مني على خجل بها

عذراء قد حليت بكل نفيس

لولا عنايتك التي أوليتني

ما كنت أعنى بعدها بطروس

والله ما أبقت ممارسة النوى

مني سوى رسم أمر دريس

أخنى الزمان علي في الأدب الذي

دارسته بمجامع ودروس

فسطا على فرعي وروع مأمني

واجتث من دوح النشاط غروسي

ورضاك رحمتي التي أعتدها

تحيي منى نفسي وتذهب بوسي (24) ابن خلدون في مصر

وما برحوا يركبون في السعاية به كل فن حتى شاهد أثرها في معاملة السلطان له، فرام التخلص من مثار هذه الفتنة وابتغى الوسيلة إلى ذلك باستئذان السلطان في السفر لأداء فريضة الحج، وقدم الإسكندرية لمضي عشر ليال من جلوس الملك الظاهر على عرش الملك. ثم انتقل إلى القاهرة، وتصدى للتدريس بالجامع الأزهر، واتصل بالسلطان فأكرم مثواه ، وأعاد ليل غربته ووحشته صباح أنس وطمأنينة. وأولاه وظيفة التدريس بمدرسة القمحة، ثم قلده خطة قضاء المالكية على وفق النظام المتبع لذلك العهد من إقامة قضاة على عدد المذاهب الأربعة، يلقب كل واحد منهم بقاضي القضاة، فتحرى بهذه الخطة صراطا سويا، ولم يدخر وسعا في العمل على إصلاحها وتجديد ما درس من معالمها، ولم تألف العامة الصرامة في إقامة الحق على وجهه الصريح، ولم يعتد ذوو الجاه والشوكة من رجال الدولة إغلاق باب الشفاعة والتوسل في وجوههم. فتعاقد الفريقان على التظلم منه والتهويش عليه لدى السلطان بدعوى أنه غير خبير بالتقاليد المعبر عنها بالمصطلح. وانضم إلى هذه المحنة نكبته في أهله وولده؛ إذ أبحروا من تونس ليلتحقوا به، فغشيتهم ريح عاصف، وهلكوا في البحر غرقا.

حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعية · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعيةص ٦