تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يزل متمتعا بحياة علمية خالصة حتى استدعاه السلطان عبد العزيز، وأوعز إليه في الخروج إلى بلاد رياح ليجمعهم على طاعته ومناصرته، فانبعث يعمل في هذا السبيل بكلمة نافذة ودعاية ناجحة إلى أن قضى المأرب وبلغ الغاية المنشودة، وكان يسعى إلى هذه المهمة السياسية وهو مقيم ببسكرة في جوار أميرها أحمد بن يوسف بن مزني الذي هو صاحب زمام رياح، وما راع ابن خلدون إلا أن أخذ حساده ينفثون سموم الوشاية في أذن أحمد بن مزني فهاجوا غيرته وأوغروا صدره حتى تنفس بالشكوى منه إلى صاحب شورى السلطان وترمار بن عريف ورفع صاحب الشورى هذه الشكوى إلى السلطان، فما كان من نظره إلا أن استدعى ابن خلدون إلى حاضرة فاس، فخرج بأهله وولده. ولقيه في الطريق نعي السلطان وتولية ابنه الصبي أبي بكر السعيد في كفالة الوزير أبي بكر بن غازي، فدخل فاس، وكان له مع الوزير سابق صحبة فأدر عليه من معصرات بره وكرامته فوق ما يحتسب، وظل عاكفا على التدريس صارفا همته إلى الوجهة العلمية إلى أن ظهر السلطان أحمد بن أبي سالم على الوزير أبي بكر بن غازي واجتذب مقاليد الأمر من يده، ولم يستقر به الحال حتى قام وزيره محمد بن عثمان يدخل عليه الريبة من جانب ابن خلدون ويغريه بالقبض عليه. وما هذا الوزير بأول من ازدهت به الرياسة وتطوحت به في غرور حتى عمي عليه أن لأعاظم الرجال كابن خلدون تاريخا باقيا، وصحائف لا تغادر صغيرة ولا كبيرة من مجاملة أهل عصره له، أو إساءتهم إلا أحصتها. (20) عودته إلى الأندلس سنة 776

قبض عليه السلطان ابن أبي سالم، وسرعان ما نهض إلى خلاصه الأمير عبد الرحمن الذي شارك السلطان في حرب الوزير أبي غازي، واتفق معه على أن يستقل بولاية مراكش وأعمالها، ولم يطمئن به المقام بعد أن رأى من تنكر السلطان وسوء طوية وزيره ما رأى، فابتغى الوسيلة إلى إذن السلطان له بالانصراف إلى الأندلس؛ ليتفرغ للعلم ومدارسته في ظل دولة ابن الأحمر الذي أولاه في رحلته الأولى سابغ الكرامة والإنعام، ولم يظفر بالجواز إلا بعد تسويف وعلى رغم من وزيره ورجال دولته.

دخل الأندلس سنة 776 فجرى السلطان على عادته من بسط يد الإكرام، وإنزاله منزلة الاحتفاء والرعاية إلى أن وفد على غرناطة مسعود بن ماسي من حاضرة فاس وأبلغ السلطان بإغراء من رجال دولتها أن ابن خلدون كان يبذل مساعيه وجاهه في خلاص لسان الدين بن الخطيب،

2

فانقلب عطف السلطان عليه جفاء، وأنسه به وحشة، وأجلاه إلى العدوة من بلاد المغرب الأقصى.

وموضع العبرة في هذه الواقعة أنك تقارن بين عودتيه من الأندلس؛ فتجده في المرة الأولى قفل من غرناطة والسلطان يبسط له يد المجاملة ويودعه بقلب يأسف لفراقه، ثم هو متوجه نحو بجاية والدولة متأهبة لاستقباله بأجمل ما يتصور من مظاهر الاحتفاء. وتراه في هذه المرة انصرف عنها والسلطان يكره إقامته ويطوي عنه بساط أنسه، خرج وهو لا يدري أين يلقي عصا التسيار؛ هذه دولة الأندلس تنفيه من أرضها، وتلك دولة المغرب الأقصى تلحظه بعين الحنق وترمي من ورائه بسهام الكيد والأذى، وهذا أبو حمو صاحب تلمسان لم يزل ينقم عليه مشايعته للسلطان عبد العزيز وسعيه في صرف وجوه العرب عنه يوم كان طريدا في الصحراء. بيد أن أبا حمو كان على روية لا يفوتها أن الأخذ في معاملة رجل خطير كابن خلدون بالرفق والأناة إنما توضع في حساب الحسنات التي ينوه بها التاريخ ويرتقي بها شأن دولته، فسمح له بدخول تلمسان فجاءها وقد ذاق من صروف السياسة عذاب الهون، فما كان إلا أن تجرد للقراءة، ولم يشغل وقته بسوى المذاكرة في العلم ودراسته.

وقد يكون انحراف الدولة عن النابغة أو اضطهادها له أشد داعية إلى بذله كل ما يملك من الجد والألمعية في توسيع دائرة معارفه أو الحذق في صناعة التأليف أو الاستنباط، فإن الكدر الذي قد يثيره تغابيها عن مكانه أو بخسها من قيمته إنما يكشفه ارتياح النفس وتمتعها باستطلاع حقائق العلوم التي هي أصفى لذة وأبقى سؤددا من نيل الحظوة والقرب من مجالس الأمراء. (21) تصنيف ابن خلدون تاريخه ومقدمته

حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعية · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعيةص ٥