وقف السلطان تجاه تلك الشكوى موقف الحكمة فجمع بين الحزم في السياسة وكرم الهمة، ففصله عن الخطة؛ تهدئة لثائرة الجمهور، واستمر على مواصلته بالرعاية والإنعام وفاء بحق العلم، واقتناصا لمفاخر يزدهي بها وجه تاريخه المجيد. (25) ابن خلدون والوزير ابن زمرك
وبعد أن قضى ثلاث سنين عاكفا على التدريس والتحرير خرج لقضاء فريضة الحج سنة 789، وقفل راجعا إلى القاهرة، واتصل حين بلغ الينبع بكتاب يحتوي على شعر ونثر راسله به أبو عبد الله بن زمرك وزير السلطان ابن الأحمر صاحب غرناطة، ولجودة نظمه وصفاء ديباجته بحيث يسوغ لنقاد الأدب أن يضعوه بالمكان الأسمى من الشعر، ويقضوا له بالسبق في حلبة البلاغة؛ رأينا من اللائق بهذه المحاضرة أن نحلي جيدها بطوق من فرائده، ومما يقول في أوائل هذه القصيدة:
ويا زاجري الأظعان وهي ضوامر
دعوها ترد هيما عطاشا على نجد
ولا تنشقوا الأنفاس منها مع الصبا
فإن زفير الشوق من مثلها يعدي
براها الهوى بري القداح وحطها
حزون على صفح من القفز ممتد
عجبت لها أنى تجاذبني الهوى
وما شوقها شوقي ولا وجدها وجدي
لئن شاقها بين العذيب وبارق
مياه بفيء الظل للبان والرند
فما شاقني إلا بدور خدورها
وقد لحن يوم النفر في قضب ملد
وكم صارم قد سل من لحظ أحور
وكم ذابل قد هز في ناعم القد
خذوا الحذر من سكان رامة إنها
ضعيفات كسر اللحظ تفتك بالأسد
واسترسل في هذا الطرز البديع والنسيب الساحر حتى تخلص إلى خطاب ابن خلدون بقوله:
إليك - أبا زيد - شكاة رفعتها
وما أنت من عمرو لدي ولا زيد
بعيشك خبرني ولا زلت مفضلا
أعندك من شوق كمثل الذي عندي
فكم ثار بي شوق إليك مبرح
فظلت يد الأشواق تقدح من زندي
يقابلني منك الصباح بوجنة
حكى شفقا فيه الحياء الذي تبدي
وتوهمني الشمس المنيرة غرة
بوجهك صان الله وجهك عن رد
محياك أجلى في العيون من الضحى
وذكرك أحلى في الشفاه من الشهد
واطرد في هذا النسق المعبر عن الوداد المحض والشوق الطافح، وبلوغ الشعر في جودته إلى هذا الحد مما ينبه على رفعة منزلة ابن خلدون في نفس الوزير ابن زمرك؛ إذ الشاعر وإن كان مفلقا لا يطيل نفس الشعر ويرتقي في إبداعه إلى هذا المظهر إلا عن داعية تزعج قريحته وتأخذ بمجامع عنايته. وليست الداعية في هذا المقام سوى الإعجاب بكمال ابن خلدون، والحنين إلى حدائق آدابه الزاهرة.
وبعد عودته إلى القاهرة تقلد خطة القضاء مرة ثانية، ثم عزل عنها، وقد تولاها مرارا، وبلغت ولايته لها ثم تخليه عنها منذ هبط مصر إلى أن توفي نحو ست مرات. (26) ابن خلدون والطاغية تيمورلنك
وكان الملك الناصر فرج يسلك في رعايته والإقبال عليه بوجه البر والإنعام مسلك أبيه الملك الظاهر، واستصحبه في خروجه إلى الشام أيام الفتنة التترية. فكان ابن خلدون ممن وقعوا في الأسر. ثم غشي مجلس تيمورلنك في طائفة من الأعيان والقضاة، ومكنه دهاؤه وبراعته في فن السياسة من افتتاح باب المخاطبة والدخول معه في حديث أصاب مواقع هواه، وأخذ بمجامع لبه، حتى أحرز لديه مكانة الرعاية والإكرام، وحمله الإعجاب بسمو مداركه وكياسة منطقه على اصطفائه لنفسه، والانقلاب به إلى مقر ملكه؛ ليكون شهابا ثاقبا في سماء دولته، ودرة وضاءة في سلك علمائه.
ولم تطب نفس ابن خلدون لأن يحط في أهواء هذا الطاغية ويتطوح في مجاراته أن يدخل في شيعته ويعمل تحت لوائه، وتلطف في مخادعته باستئذانه في العود إلى مصر؛ ليجمع أمره، ويضم إليه أهله وكتبه، فنفذت الخدعة، وبلغ أمنيته، فعاد إلى القاهرة، ومد بها طنب الإقامة إلى أن أدركه أجله وهو في منصب القضاء لأربع بقين من رمضان سنة 808، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر. وقبره غير معروف شأن من يوافيه الحمام في دار غربة، أو يقبره قوم كسدت لديهم بضاعته الغالية، وكلت أبصارهم دون الوصول إلى مراميه السامية. (27) أخلاق ابن خلدون