ومتى صح أن النابغة لا يبدع في فن من فنون النظر ويطيل فيه النفس إلى الأمد الأقصى إلا أن يتقدمه سلف يكون كواضع الأساس، أو يحظى بصحبة من ينسج في البحث والمحاورة على منوال ذلك الفن؛ فإنا لم نر من الرجال الذين لقيهم ابن خلدون من يصح أن يكون مساعدا له على هذا المسلك الفلسفي الاجتماعي غير لسان الدين بن الخطيب. ولهذا كان ابن خلدون ينوه بشأنه، ويشيد بذكره أينما حل. قال الشيخ إبراهيم الباعوني الشأمي - فيما رآه صاحب نفح الطيب بخطه: وكان «يعني ابن خلدون» يكثر من ذكر لسان الدين بن الخطيب، ويورد من نظمه ونثره ما يشنف به الأسماع، وينعقد على استحسانه الإجماع، وتتقاصر عن إدراكه الأطماع. (31) شعره
يعد ابن خلدون في قبيل الشعراء المجيدين، ولكن انكبابه على مدارسة العلوم، وقلة غدو قريحته ورواحها على النظم عاقه عن أن يبلغ في إتقان نسجه والإبداع في فنون التخيل مبلغ المشهود لهم بالتفوق في هذه الصناعة.
وقد اعترف هو نفسه بما يجده من استصعاب الشعر عليه، وبعد مأخذه منه عندما يحاول نظمه. قال في مقدمة تاريخه: ذاكرت يوما صاحبنا أبا عبد الله بن الخطيب وزير الملوك بالأندلس من بني الأحمر - وكان الصدر المقدم في الشعر والكتابة - فقلت له: أجد استصعابا علي في نظم الشعر متى رمته؛ مع بصري به، وحفظي للجيد من الكلام من القرآن والحديث، وفنون من كلام العرب، وإن كان محفوظي قليلا، وإنما أتيت - والله أعلم - من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية والقوانين التأليفية. وعدد جملة من محفوظاته، ثم قال: فامتلأ حفظي من ذلك، وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد من القرآن والحديث وكلام العرب، فعاق القريحة عن بلوغها. فنظر إلي ساعة معجبا، ثم قال: لله أنت! وهل يقول هذا إلا مثلك؟!
ولصفاء فطرته وسلامة ذوقه قد يدرك شعره مع تلك العلة التي أومأ إليها غاية بعيدة في الإجادة. ومن مثله الرائقة قصيدته التي أنشدها سلطان المغرب ليلة الميلاد النبوي عام 763 وافتتحها بقوله:
أسرفن في هجري وفي تعذيبي
وأطلن موقف عبرتي ونحيبي
وأبين يوم البين ساعة وقفة
لوداع مشغوف الفؤاد كئيب
ومنها:
يا سائق الأظعان تعتسف الفلا
وتواصل الإسآد بالتأويب
متجافيا عن رحل كل مذلل
نشوان من أين ومس لغوب
تتجاذب النفحات فضل ردائه
في ملتقاها من صبا وجنوب
إن هام من ظمأ الصبابة صحبه
نهلوا بمورد دمعه المسكوب
أو تعترض مسراهم سدف الدجى
صدعوا الدجى بغرامه المشبوب
هلا عطفت صدورهن إلى التي
فيها لبانة أعين وقلوب
فتؤم من أكناف يثرب مأمنا
يكفيك ما تخشاه من تثريب
حيث النبوة آيها مجلوة
تتلو من الآثار كل غريب
ومن أجود شعره وأعلاه مطلعا في البلاغة قوله من قصيدة يهنئ بها أبا حمو بعيد الفطر:
هذي الديار فحيهن صباحا
وقف المطايا بينهن طلاحا
لا تسأل الأطلال إن لم تروها
عبرات عينك واكفا ممتاحا
فلقد أخذن على جفونك موثقا
أن لا يرين مع البعاد شحاحا
إيه على الحي الجميع وربما
طرب الفؤاد لذكرهم فارتاحا
وتعرض الشيخ ابن حجر لشعر ابن خلدون وقال: إنه لم يكن ماهرا في النظم، وكان يبالغ في كتمانه، مع أنه كان جيدا لنقد الشعر. وعدم مهارته في الشعر مسلم؛ على معنى أنه لم يصل إلى درجة من أفرغوا جهدهم في هذه الصناعة وأصبحوا لا ترى تراجمهم إلا في طبقات الشعراء. وقد أريناك من شعره مثلا يشهد بأن له قوة شاعرية فطرية؛ وهو المثل الأعلى لشعر من انصرف بهمته إلى التضلع من العلوم النقلية والنظرية، ثم مد يده إلى الشعر على وجه التحلي بفن من فنون الأدب الجميلة. (32) مثل من فلسفته الاجتماعية
لابن خلدون في الاجتماع والسياسة آراء سامية، استمدها من مطالعاته الواسعة في التاريخ، ومشاهداته أزمان الرحلة؛ إذ تقلب في أمم، ودخل في أحشاء دول. ولنسق إليكم أمثلة من فلسفته الاجتماعية التي لها مساس بمشروع جمعية أدبية كجمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية ...