تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المغلوب مولع بتقليد الغالب

يقول ابن خلدون: إن المغلوب «مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده»، وعلل هذا بأن النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو بما تغالط به نفسها من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب. وهذه نظرية صحيحة، وعلتها ظاهرة، وهي مطردة في الأقوام الجاهلة والشعوب التي يلقى حبلها على غاربها فتأخذ في تقليد الغالب والتشبه به في الشعار والعادات، وتفرط في ذلك حتى تندمج في بني جنسه، وتفنى في قبيل عنصريته.

فجدير بزعماء الشرق ودعاة إصلاحه اليوم ألا يدعوا النشء منهمكا في تقليد الأمم الغربية، ويحق عليهم أن ينعموا النظر في أحوالها ومظاهر مدنيتها، ويميزوا بين ما كان من أسباب رقي حالتها الاجتماعية وانبساط يدها إلى القبض على أزمة السياسة في الشرق، فيحرضوا الشرقيين على اقتباسه وإضافته إلى وسائل حضارتهم، وما كان من الأوضاع المنكرة، أو أنه كان ناشئا عن عادة ولدتها البيئة الخاصة، ضربوا عنه صفحا، وأنذروا الشرق عاقبة الاقتداء به.

وفحص أحوال تلك الأمم وتمييز طيبها من خبيثها يحتاج إلى نظر حكيم، وذوق سليم؛ فقد يجد الناظر ما قد يكون نافعا في أوطانهم، ولكن عمله في بلادنا اليوم ضرر محض. ومن أمثلة هذا إضراب التلاميذ عن الدروس؛ احتجاجا على قضية سياسية، فهذا النوع من الإضراب قد يلتجئ إليه تلاميذ دولة مستقلة حريصة على ترقيتهم في العلوم والفنون؛ فيكون نافعا لهم، وذريعة لنجاح مطلبهم، ولكن الدولة الأجنبية لا يسوءها أن ينقطع أبناؤنا عن التعلم ليالي وأياما، بل يرتاح ضميرها إلى أن تغلق المدارس أحقابا؛ حتى يتسنى لها أن تسوقهم كالأنعام إلى حيث تشاء.

الأمة المغلوبة يسرع إليها الفناء

يقول ابن خلدون: «إن الأمة إذا غلبت وصارت في ملك غيرها أسرع إليها الفناء» وجعل العلة في هذا ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها، وصارت بالاستعباد آلة لسواها، فيقصر الأمل، ويضعف التناسل، والاعتماد إنما هو عن جدة الأمل، وما يحدث عنه من النشاط في القوة الحيوانية.

وهذه النظرية حادثة، وعلتها معقولة، فيتحتم على زعماء الشعوب المغلوبة للأجنبي أن يعالجوا هذا الداء القاتل للأمم الجاهلة بما يبثونه فيها من أمل الخلاص، ويضربوا لها الأمثال بالأمم التي تخلصت من سلطة الغريب؛ مثل: اليونان، وبلغاريا، ورومانيا، وأمريكا. ويعلموها أن وسيلة النجاة منافسة الغالب في أسباب القوة من المال والعلم والاتحاد، ويربوها على العظمة، وإباءة الضيم، واستصغار العظائم؛ فإنها تعود إلى حياة وقوة تصارع بها حاكمها الغاصب، وإن كانت فئة قليلة وبلغت جنود خصمها من الكثرة ما لا يخطر على البال.

لا تحقرن صغيرا في مخاصمة

إن الذبابة أدمت مقلة الأسد

العرب والسياسة

عقد ابن خلدون في مقدمة تاريخه فصلا ذهب فيه إلى أن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك. وتدور هذه المقالة على ألسنة بعض من يريد الحط من شأن العرب، ولا سيما الأعاجم الذين يريدون استعمار بلادهم، وإدخالهم تحت سيطرتهم، ويسوقونها كالشاهد على أن العرب لا يصلحون لأن يديروا سياستهم بيد مستقلة. وينقلها بعض العرب أو أنصارهم فيرمي ابن خلدون بسفه الرأي في هذه القضية، ويحكم على تخطئته؛ بحجة سداد نظرهم في السياسة، واتساع فتوحاتهم أيام الخلفاء الراشدين ومن اقتفى أثرهم من دهاة الأمراء وأبطال الرجال.

والتحقيق أن ابن خلدون إنما يقصد العرب الذين يعيشون بالبادية، وقبل أن يخرجوا من ظلمات جاهليتهم إلى الاهتداء بمعالم الإسلام. وعباراته صريحة في هذا الصدد. ومما قال في هذا القصد: «وإنما يصيرون إلى سياسة الملك بعد انقلاب طباعهم وتبدلها بصبغة دينية.» ثم قال: «واعتبر ذلك بدولتهم في الملة، لما شيد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهرا وباطنا، وتتابع فيها الخلفاء؛ عظم حينئذ ملكهم، وقوي سلطانهم.»

حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعية · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعيةص ١١