تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن حجر: وقد كان شيخنا الحافظ أبو الحسن بن أبي بكر يبالغ في الغض منه، فلما سألته عن سبب ذلك، ذكر لي أنه بلغه أنه ذكر الحسين بن علي في تاريخه فقال: قتل بسيف جده. قال ابن حجر: ولم توجد هذه الكلمة في التاريخ الموجود الآن. وكأنه ذكرها في النسخة التي رجع عنها.

والعجب من الحافظ أبي الحسن حين يغض من مقام ابن خلدون؛ لبلاغ مزور عنه، ثم من الحافظ ابن حجر حين ينفي ذلك من تاريخه ويرجو أن يكون ذكره في النسخة التي رجع عنها. والحقيقة أن ابن خلدون أورد ذلك في الفصل الذي عقده في ولاية العهد من المقدمة عازيا له إلى القاضي أبي بكر بن العربي المالكي، ومتعقبا له بالرد، ونصه:

وقد غلط القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في هذا فقال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه: إن الحسين قتل بشرع جده! وهو غلط حمله عليه الغفلة عن اشتراط الإمام العادل، ومن أعدل من الحسين في زمانه في إمامته وعدالته في قتال أهل الآراء؟!

ومن مثل هذا يستدل على أن بعض الطاعنين على ذوي الآراء الإصلاحية قد يؤتون من عدم اطلاعهم على نفس مقالاتهم واستيفاء النظر في مؤلفاتهم.

ثم قال ابن حجر مستشهدا على ما يدعي من ضعف مكانة ابن خلدون العلمية: «حتى إن ابن عرفة لما قدم إلى الحج قال: كنا نعد خطة القضاء أعظم المناصب، فلما بلغنا أن ابن خلدون ولي القضاء عدنا بالضد من ذلك.»

غير بعيد صدور هذه المقالة من الشيخ ابن عرفة؛ فإن ابن خلدون لم يكن مملوء الحافظة بتفاصيل علم الفقه بحيث يكون إخصائيا في أحكام نوازله الجزئية، وهذا هو المنظور إليه في أهليه القضاء لذلك العهد. أما أن يكون الرجل مكينا في علم الأصول، قاتلا قواعد الفقه خبرة، ذا حذق في صناعة تطبيق القواعد على ما يعرض من الوقائع - وهي المرتبة التي لا يقصر عنها ابن خلدون فيما نعتقد - فلهم أن ينفوا عنه أهلية القضاء، ويطرحوه من حساب من يتقلدها بحق.

ثم إن البون الشاسع الذي كان بين مسلكي الشيخ ابن عرفة وابن خلدون في العلم يقتضي أن يكون بينهما من المنافسة ما لا يمنع أحدهما من القدح في مكانة صاحبه، وقد كان بينهما في تونس مجافاة، وادعى ابن خلدون أن لابن عرفة أصبعا في السعايات التي بلوه بها لدى صاحب الدولة التونسية. (30) مؤلفاته

أتى ابن الخطيب في كتاب الإحاطة على بعض مؤلفات ابن خلدون؛ فقال: شرح البردة شرحا بديعا دل به على انفساح ذرعه، وتفنن إدراكه، وغزارة حفظه، ولخص كثيرا من كتب ابن رشد، وعلق للسلطان - يعني ابن الأحمر - أيام نظره في العقليات تقييدا مفيدا في المنطق، ولخص محصل الإمام فخر الدين الرازي، وألف كتابا في الحساب، وشرع في هذه الأيام في شرح الرجز الصادر عنى في أصول الفقه بشيء لا غاية فوقه في الكمال. وقال صاحب نفح الطيب بعد نقل ما جاء في الإحاطة من التعريف بابن خلدون: هذا كلام لسان الدين في حق المذكور في مبادئ أمره وأوسطه، فكيف لو رأى تاريخه الكبير؟! ومما قاله المقريزي في وصف مقدمة هذا التاريخ: وإنه لعزيز أن ينال مجتهد مثالها؛ إن هي إلا زبدة المعارف والعلوم، وبهجة العقول السليمة والفهوم، توقف على كنه الأشياء، وتعرف حقيقة الحوادث والأنباء، وتعبر عن حال الوجود، وتنبئ على أصل كل موجود، بلفظ أبهى من الدر النظيم، وألطف من الماء مر به النسيم. ورام الشيخ ابن حجر أن يبخس كل أثر له حتى هذه المقدمة، فقال في كتاب رفع الإصر بعد حكاية كلام المقريزي: وما وصفه به فيما يتعلق بالبلاغة والتلاعب بالكلام على الطريقة الجاحظية فمسلم، وأما ما أطراه به زيادة على ذلك فليس الأمر كما قال إلا في بعض دون بعض، إلا أن البلاغة تزين بزخرفها حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن.

وقد نقلت هذه المقدمة إلى لغات أخرى من تركية وإيطالية وفرنسية فكانت أحد الآثار العربية التي شهد بها الغربيون كيف يرتقي الفكر الناشئ في معاهد العلوم الإسلامية حتى يتسنى له أن يبحث في نظم الاجتماع وطرق الإصلاح، على وجه بديع وأسلوب حكيم.

حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياة ابن خلدون ومُثل من فلسفته الاجتماعيةص ٩