تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو انتبه أهل الفن قديما لربط موشحاتنا العربية، بالنوتة الإفرنجية. لما انتسخت أكثر عمليات تلحينها. ولما تعب مثل كامل أفندي المذكور في كتابة ألحانه خوف الضياع وتدوينها؛ لأن البيشراوات والبستان والموشحات، هي الجزء الأول. الذي عليه في هذا الفن المعول. وما الأدوار إلى قطع صغيرة عديمة القيمة. موضوعة على غير أصول ومحشوة بالمعاني السقيمة - بخلاف الموشحات فإنها محصورة القوانين، صحيحة القسمة في التلحين. تشتمل على ألفاظ أرق من الشمول. ومعان بعيون عقائلها تفتن العقول. وكفى على فضلها دليلا أننا نسمعها نحن وآباؤنا من قبل. ولم نعف سماعها إذا أعيدت وكررت في كل فصل. وبرهاني (بدري أدر كاس الطلا) بحياتك قل لي أليس كلما كرر شنف الآذان وحلا. ويا (هلالا غاب عني واحتجب) أترغب فوق أن يزيل عن قلبك الهم والنصب. إلى آخره مما يطول شرحه وتفصيله. ويعسر الآن تأسيسه وتأصيله. وأكبر دور إذا قيل بضع مرات في محفل أو ناد. بحته نفوسنا وصار كالكلام المعاد - وما ذلك إلا لمتانة تلحين الأول وضعف الثاني. يعرف ذلك جيدا من كان لهذا الفن يعاني.

ولكن لما كان المشتغلون بصناعة التلحين في هذا الزمان. لا يمكنهم تلحين الموشحات لصعوبة تركيبها وعدم معرفتهم أسرار الأوزان. تركوها ظهريا ونبذوها منسيا. وقد عودوا الناس على سماع أدوارهم البسيطة القليلة البضاعة. الخالية من محاسن الإبداع ودقيق الصناعة. واستملحها السامعون لسهولة معانيها. وهم لا يدرون بأنها مسروقة من الموشحات ومشذبة من نواحيها. *** ومن يقيس التراب بالمسجد، والحصى بالزبرجد. أو الصفر بالصفر. والتراب بالسراب. وشتان بين الليل الدامس. والنهار الشامس. وهل يقارن الدر بالحصى. والسيف بالعصا. وكم بين الحق والباطل. والخالي والعاطل. وبين حوت السماء. وحوت الماء !

والخلاصة أن الفرق بين الموشحات والأدوار. عند أئمة الفن أو ذوي الأبصار. كالفرق بين ظاهر الثوب المحاك بالحرير المزين بالألوان. وبين باطنه الذي لخسته لا تود أن تراه العينان. *** ولما لم أجد في الشرق الآن من لحن من نوع الموشحات بهذه المتانة الفائقة. والجزالة في الطرب الرائقة الشائقة. غير حضرة الأستاذ المبدع الموسيقى (كامل أفندي الخلعي) فأحببت اعترافا بما له على هذا الفن من الأيادي البيضاء أن أذكر شيئا من مناقبه إلى حضرات المطلعين الأجلاء. وعسى أن يجعل جائزتي قبول كتابتي. لتتم سعادتي.

وإني أسأله تعالى في النهاية أن يجعل عمله خدمة نافعة للوطن ولكافة المريدين والفضلاء. وأن يجزيه عليه أحسن الجزاء. وأن يهنئه بالنجم الأسعد. والجد الأصعد. ويعيذه من شر من حسد وطعن. ويكلأه بعينه التي لا تنام إن قام أو ظعن. كما وإني أسأله لنا جميعا النعمة السابغة. والمنحة السائغة. وأن يخرجنا من ظلم الوهم. إلى نور الفهم؛ كي نأخذ بيد كل مرشد لنا ونتمسك بما يبديه. ونضرب عرض الحائط بقول حساده وأعاديه. ومن ثم نصل إلى غاية المأمور. ونهاية المسئول. إن شاء الله

1 . *** هذا ولما آن أن ننتهي من هذا الكتاب. وحان نجاز طبعه المستطاب، بسطت يد الإخلاص والولاء، ورفعت أكف الضراعة والدعاء. بدوام بقاء حامي الممالك والبلاد، المحامي عن حوزة الدين صيانة لأرواح العباد، حجة الله على العالمين. وبرهانه القاطع على العتاة الجاحدين، السلطان الأكرم، والمتبوع الأعظم، مولانا (عبد الحميد الثاني). الملك العثماني، فدعوت بنصره. وسعود عصره. راجيا من الملك المجيد. دوام عزه والتأييد. وأن يهب أمير البلاد، تابعه المعظم، وولي نعمتنا المفخم، الملحوظ بالسبع المثاني. (عباس باشا حلمي الثاني). طول العمر. ودوام اليمن والخير. كما أدعو ببقاء ذات رب المكارم والنعم. والمحاسن العميمة ومعالي الهمم. من ساعدني على طبع كتابي هذا حتى خرج للوجد. يزدهي بأنوار طلعته والسعود، صاحب السجايا الحميدة وجميل المناقب. عطو فتلو أفندم (إدريس بك راغب). وقد ضمنت هذا الإخلاص الأكيد. في هذا النشيد.

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٩٩