ولم نزل تتمتع منه بالسماع والحديث بكل مطلوب. إلى أن آذنت الشمس بالغروب. فتأهب للقيام. فحييناه بالترحاب والإكرام. فخرج والعيون تشيعه. والقلوب معه. فيا له يوما ما كان أطيبه وأقصره. وسرورا ما أوفاه وأوفره! ملكنا فيه زمام التهاني. وحصلنا منه على الآمال والأماني.
ولما انفض عقد مجلسنا وانتثر. سرت معه ليريني آخر مؤلف من مؤلفاته الغرر. فكانت فاتحة الألطاف أن قرأت على غلافه بالحرف الجميل الجلي: كتاب (الموسيقى الشرقي) فتصفحته تصفح منتقد بصير، عليم بأسرار التأليف خبير. فانشرح صدري بالوقوف على مغانيه. وجال فكري حيث جال في معانيه. وامتلأ قلبي من نوره نورا. ورجعت به إلى أهلي فرحا مسرورا. كتاب يشتمل من أصناف الفوائد. على أصداف الفرائد. حوى من هذا الفن ما لم يحوه كتاب. وفتح للطالب إلى أقصى المطالب كل باب؛ إذ هو فريد في فنه الفائق. وحيد في جمعه للدقائق. عزيز التحقيق. كثير التدقيق. لم ينسج ناسج من المتقدمين على منواله. ولم يسمح الدهر بمثاله. على أن فضل القدماء لا ينكر. والإغضاء عن بيان فضلهم لا يشكر، فنحن إنما بنينا على أساسهم. واهتدينا بنبراسهم. غير أننا إذا وضعناه موضع الكتب القديمة. كنا كمن لا يعرف لهذا الفن قيمه. وإذا قابلناه بما سلف. كنا كمن قابل بين الدر والصدف. والقصدير والذهب. أو الرأس والذنب.
ساقني إلى مطالعته بالتدقيق سلاسة وضعه. وجودة ورقه ودقة طبعه. وانسجام عباراته، ولطف إشاراته. ومن ثمين ما وجدته فيه الأوزان العربية والتركية. موضوعة بطريقة سهلة المأخذ بالنوتة الإفرنجية. مع قواعد علم التصوير ورصد النغمات. وتعليم أية آلة من الآلات. مع تصويرها بالشرح الوافي. والبيان الكافي. بألفاظ وضيه. ومعان مضيه، كذا يجد فيه المطلع من صور مشهوري هذا العصر ما هو غرة في جبين الدهر. وكلها متقنة الوضع، رائقة الصنع. مما تتوق إلى النظر إليه أنفس أدباء المطلعين. فيشكرون صنيع المؤلف ويترحمون على من مات من فطاحل المغنين - والموشحات مرتبة ترتيبا جميلا على هيئة فصول. كأحسن ما يغرفه كبار الفن من أعذب المسموع وألذ المنقول. مع تراجم أهل العصر. والمختار من تلاحين علماء الشام ومصر. مما يعد في الحقيقة بدعة الأمصار. وشرك الخواطر ونزهة الأبصار. على أني لو استعرت فصاحة الأدباء. وأعطيت بلاغة الخطباء. لما أمكني أن في هذا السفر. حقه من التمداح والشكر. وقصارى المديح عجز الفصيح.
وقد هداني أيضا هذا المؤلف الجليل إلى وجود مجموعة أخرى لهذا الموسيقي النبيل، تشتمل على اثني عشر موشحا من أمثل ألحانه. وأجمل ما جاد به صوته السليم وفنه الممسك له بعنانه. قد جلاها للناس في معرض المبتدع المخترع. لا الناقل المقترع. وربطها بالنوتة الإفرنجية. ووضع عليها ألفاظها باللغتين العربية والفرنساوية. وهو أول شرقي رفع شأن وطنه في علمه بعمله. وأتى بما لم يأت سابقوه ولا معاصروه بمثله.
ولما كان من الواجب على كل حر شريف يحب خير وطنه والإصلاح. أن يرشد إخوانه إلى ما فيه الخير والصلاح فأقول: لا جدال في حسن الغناء القديم ووثاقته. ولا نزاع في متانة تركيبه وصياغته؛ لأنه الأساس الذي اقتاد به المحدثون. وعليه مثل الملحنون. وتناقله الخلف عن السلف في كل قطر ومصر. جيلا بعد جيل وأهل عصر بعد عصر؛ لأن كل ملحن مجيد لا بد أن يكون استكثر في بدئه من حفظ تراكيبهم. وتحدي أساليبهم. ومحاكاة نغمتهم. والحذاء كما سبق القول على أمثلتهم. كيما تتحصل عن ذلك عنده ملكه التلحين. فتصدر ألحانه خالية مما يشين.
ولما كنا في الحقيقة - وإن تقادمت الأيام - سلالة أولئك الأقوام الكرام. فما علينا إلا أن نطلب الخير. بالاقتداء بهم في السير، لنكون لمن بعدنا قدوة. كما كان لنا بذلك السلف الصالح أسوة.