ولما قرع باب السماء. بمثل هذا الدعاء. وسأل العفو وطلب الاستغفار. على ما جناه من العزيز الغفار. لاذ بالمتاب. وبعد أن زاغ عن سنن الرشاد آب. فتمسك بأطراف الورع والعفاف. وآلى أن لا يحتسي - ما دام حيا - من كأس هذا السلاف. الذي هوى به فأحال صبغة حاله. وكساه أثواب الضنى بذميم خلاله.
هذا ولما كان لا يمكن الاحتراز من الأقدار. والاحتراس من الفلك المدار.
إذا نزل المقدام ولم يبق للفتى
نهوض ولا للمخضرات إباء
وحيث إن الحب راحته عنا. وبقاؤه فنا. والمرء يذنب ثم يتوب. واللب يعزب ثم يثوب؛ لذلك خلع لباس الجزع وسلم الأمر لله. ونسي ما جنته عليه عيناه.
فمن كان يؤتى من عدو وحاسد
فإني من عيني أتيت ومن قلبي
ثم أراد بعد برهة أن ينزه الفكر. في ملعب عجائب الدهر. فنظر من نافذة الاستقامة المشرفة على طريق السلامة. فرأى ثم رأى المعشوق خارجا منه يتعثر في أذياله. ويتضاءل حسنه في أسماله. ينفض عن عطفيه عثير سقوطه من قمة السعادة والعلاء. إلى الدرك الأسفل من هوة التعاسة والشقاء. وكأنه به وهو يعض سبابة الندم. والسدم يجول في باطنه فيحرق الإرم. تعسا لك أيتها النفس.. ما أسرعك في اتباعك فاسد الهوى. وسحقا لك فإنك لا تميلين لغير معاشرة من ضل وغوى. فكفري عن ذنبك العظيم. وارجعي خاشعة إلى حظيرة ربك الكريم. فيسبل ستار التوبة على نحوس مطالع أيامك. ويغفر لك ما تقدم من ذنوبك وآثامك. واحفظي من الآن زمام الذمام. واصبري في هاجرة هجر عاشقك على الأوام. جزاء نكثك للعهد. وانتهاك حرمة الوفاء والود. واعلمي بأن العدل كل العدل. ما حكم به عليك العقل. وأن من لم يكن حكيما. لم يزل سقيما. ومن اتخذ الحكمة لجاما. اتخذه الناس إماما. أما من آثر اللذات فقد تورط في البلوى. وانتهى من حرم الحرمان إلى الغاية القصوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى.
يجمع إلى ذلك آداب الأخلاق ولطف الروح وحسن المعاشرة، وجودة التصور وطيب المسامرة. ووفاء العهد. وثبات الجأش والود. يتكلم بحكمة الشيوخ في سن الشباب. ويغرب إذا حدث في غير موضع الأغراب. ذو أفكار مصيبة. وفراسات عجيبة. وعزم بالثبات ناطق. ولدى الخطوب صادق. يكاد يهدي بأفكاره النجم الثاقب. ويستتبع بآراء فراسته سهم كل كوكب صائب.
يشاهد أعقاب الأمور بعقله كما شاهد المحسوس بالعين ناظر
أقوى علماء فنه بيانا وأطلقهم لسانا. وأخفهم روحا وأصفاهم نية. وأرقهم طبعا وأنقاهم في حسن الطوية. وأسخاهم يدا. وأجزلهم ندى. وأبعدهم في نظر الأشياء مرمى. وأسدهم في المناظر سهما.
فتى مثل صفو الماء أما لقاؤه
فبشر وأما وعده فجميل
غني عن الفحشاء أما لسانه
فعف وأما طرفه فكليل
ولولا خوفي من القول بأني أنظر إليه بعين الرضا لأسهبت في المقال. ووفيته حقه في هذا المجال. بذكر محاسنه الغراء التي يطول شرحها. ويعز على البليغ البارع حصرها.
ولولا أن يظن بنا غلو
لزدنا في الحديث من استزادا
ولقد سألته يوما عن سر تأخر هذا الفن في بلادنا الآن. وهل يمكننا أن نراه وقد صعد إلى ذروة الكمال والإتقان؟ فأطرق زمانا في الفكرة. وقال هذه الشذرة. بعد أن تنفس الصعداء. من كبد حراء. أتنتظر لهذا الفن الراقي وهو لم يزل في المهد. وسيبعث من المهد إلى اللحد. وكيف لا تتوقع الموت لفن، الحكومة لا تنظر له بعين الإكبار والإعظام. والأهالي يتكلفون لأربابه السلام. ولو شاءت الأولى لرفعته مكانا عليا. ولم يك شيئا منسيا. وابتنت له مدرسة ولو بمساعدة الأغنياء. ويجيء رقي هذا الفن من الأمراء؛ لأنها الأساس الذي يشيد على دعائمه رقي هذا الفن النفيس. فيتخرج ثمت كل إمام رئيس. ينشد لنا مع رصفائه ما يسمو بالنفس إلى معارج الأبهة والجلال؛ لنتناسى التافه من المقال، ولاكته الألسنة من عبارات العشق وذكر الغواني. وندب على ما بقي في هذا الفن من أحسن المعاني ولقد سمعنا أن بعضهم كان في العصر الأول يقول للمغني: أضحكنا. فلا يزال القوم في ضحك إلى أن يقال له أبكنا. فينتقل بهم ظفرة من الضحك إلى البكاء. أو يسكن أعصاب اثنين التهبت بينهما نيران الغضب والشحناء. فتصلح ضمائرهما ويندمان على ما سلف من الضغينة والجفاء. وترق قلوبهما ويعودان إلى الصفاء والولاء. أو يحرك النفس نحو قواها الشريفة من الجود والحلم والفضيلة في الأعمال. إلى المروءة والعدل والصدق في الأقوال. أو يستعمل لحنا منوما يخفف عن المريض ألم العلل والأسقام. فتتخدر أعصابه وتأخذه سنة المنام. إلى غير ذلك من الكيفيات الكامنة في الموسيقى التي يضيق عن شرحها البليغ اللبيق. والفصيح المقول المنطيق.