تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وويح إنسان عيني إن جنحت إلى الس

سلوى فلي منه دوما أوب مؤتاب

شكل 25-1: كامل افندى الخلعى.

وقال تحت عنوان (النجاة من خطر الهوى):

إذا ضاق صدر الصب. وامتلأ بجيش سلطان الغرام فضاؤه الرحب. وعلى حرانه حتى صار كالبركان العظيم. من أوار حر الجحيم. وغدا قلبه مصبا لسوط العذاب. وحطبا لنار العقاب. وعقله كرة لصولجان الفكر ومأوى للهموم. وطرفه موكلا يرعى النجوم، فانبرى كمن سبقه بالملائمة على العين. وادعى أنه داعية الأسى والغبن، حيث أعقبت النظرة بعد النظرة. فأوقعت باستحسانها المرثي القلب في الغصة والحسرة.

لأعذبن العين غير مفكر

فيها؛ جرت بالدمع أو سالت دما

ولأهجرن من الرقاد لذيذه

حتى يعود على الجفون محرما

هي أوقعتني في حبائل فتنة

لو لم تورطني لكنت مسلما

سفكت دمي فلأسفحن دموعها

وهي التي ابتدأت فكانت أظلما

فعاد ثمت ليله نهارا بالسهاد. ونهاره ليلا في السواد. وحوصر على باب فمه بكاتم سر الملك وجنده. فأمسى معتقلا بسلاسل الحيرة في حبس من جلده. فأذعن مرغما لإرادة أمره القاضي بأن لا تنبعث أشعته من الظلمات إلى النور. وأن لا يخرج سره المكنون من حيز الخفاء إلى شمس الظهور. وافترسته خلال ذلك لتوانيه في عمله أنياب الفقر. وتوالت عليه كوارث الدهر. قرح إلى قرح. وملح على جرح. فأثقلته صنوف الآلام: آلام الأرواح وآلام الأجسام. وأصبح صريع الغرام مسكينا. وللنوائب مستكينا. طرفه يقظان مغضوض. وإبهامه معضوض . وأسقط في يده، ولم يدر كيف يهتدي سواء السبيل. ويفر من وجه هذا الظالم وجحفله العريض الثقيل. وينجو من حكم سلطانه المستعبد للأحرار. والمستأثر بذوي الأقدار. والمعطل عما ينفع من المصالح. والمدمى بسلاحه الماضي الجوارح. والمقلب القلب على جمر الغضا وضرام الألم. والمانع عن الاشتغال بالعلوم والحكم. والسائق إلى وليه غمام الغم. والهائم به في وادي الهم. فليهب ويستبد بالعزائم؛ لتشتد منه الدعائم. وينفش على ما سلم في قلبه من سهام العين النجلاء. هذه الحكمة لتكون كإنذار بوشك وقوع معركة شعواء لا تظهر قوة ساعد العقل في ضرب الحسام. إلا في محاربة النفس في ساحة الغرام.

أجل: فلا يلبث أن ينتبه العقل من غشيته، ويفيق بعد طول السبات من غفلته وسكرته. ويتألب على النفس المنغمسة في حماة الرذيلة. بعد أن يتدرع بالفضيلة. ويغل في عنق معشوقه سلسلة مساوية إذا تمكن من أسره؛ ليرد ما كاده له إبان ما كان مستسلما لأمره.

وبعد التحام القتال، واشتباك الطعن والنزال، ومعاناة كبير عناد ومجالدة. ومجادلة ومجاهدة. تضع الحرب أوزارها، فتتبدى عن العين الكليلة عن ذنوب المعشوق ظلم أستارها، فترى العقل وقد خرج من تحت النقع مكللا بإكليل الفوز والظفر. منشورا فوقه أعلام الفتح والنصر. واضعا (الغيرة) أصل بلاء العشاق في القيود والأغلال، والشكائم الثقال، ثم يلفظ بها إلى أقصى مكان. ليخطب ود أبيها ليزوجها منه من يرضى لنفسه الصغار والهوان. ومن ثم يعود إلى برجه آمنا من العثار مرة أخرى في وهدة الخبال والجنون، متحدثا بنعمة ربه الذي أفرج كربه صاحبه وأنقذه من ريب المنون. وألهمه من فيضه الإلهي الصواب، فاستنبط به دفائن نبات القلوب. واستخرج بصولته ودائع الغيوب. وأودع فيه القوة التي ملكته من عنان مركب ربه وهواه. فكفاه في الحقيقة أعدى أعداه. وسيره بسرعة البرق ليلجمه قبل أن يجمع فيهوي به في مهاوي المهالك، ويحيد عن الصراط المستقيم ليسلك أوعر المسالك.

وعلى أثر شكره الله. على ما منحه وأولاد. يشعر العاشق براحة البال. وانفراج الأزمة لهزيمة كتائب البلبال. وانبعاث روحه ثانية خالصة من الآثام. بعد أن كانت ملوثة بالغرام. فيبتهل إلى الله بخشوع. ويتضرع إليه بخنوع وخضوع. قائلا سبحانك لا يأخذك نوم ولا سنه. ولا تحدك الأوهام والألسنة. تنتقم بقدرتك من الباغي. وتفضي بنيل المباغي. نعمك لا تحصى. مع كثرة ما تعصى. خلقت لنا العقل نبراسا نستضيء بنوره في خنادس الليالي المواثل. ونفرق بحسامه القاطع بين الحالي والعاطل والحق والباطل. ونسترشد بهديه لتحفظه من طوارئ الحدثان بزيادة التجارب. ونستنقذ بحكمته مما يكدر صفاء العيش من انصباب متاعب المصائب. وانتياب شوائب النوائب، فما ألطف صنعتك في إزالة اللأواء. وأوسع رحمتك لإدامة الآلاء. لا يفي الشكر لمواهبك بجزائها. ولا بأقل جزء من أجزائها. أحمدك حمد المعترف بفضلك الجليل. المقر بإحسانك الجزيل. على إنجائك لي من فعل هذا الشراب. الممزوج بالزعاف والصاب. بعد أن كنت منه على شفا جرف هار. وركوب مطية الدمار. كالمتلذذ في مضجعه باستنشاق الكثير من الأزهار. فتخدر أعصابه بسموم أريجها المعطار. ويقضي على مهل نحبه. ويلقى ربه.

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٩٢