تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خفض عليك أيها الصديق. ولكن إذا عارضك بعض المعاصرين. أو عصابة من متكلفي السماع المتطفلين. وتصدوا للمعاكسة. والمشغابة والمشاكسة. واعترفوا بأنهم مستحسنون طريقتهم في الغناء. وراضون عنها تمام الرضاء، وما رأيك هذا من سقط المتاع. والحثالة التي تقل بها وجوه الانتفاع. بل ونتيجة القول فيه إلى الضباع. فماذا نقول. في هذا الجهل والفضول؟ والحسود لا يرضيه إلا زوال النعمة. وتثبيط الهمة!!

أجل، لا أنكر عليك ذلك ولكن إذا قورنت الأعمال بالحزم. والثبات والعزم. خرج صاحبها من حومة الوغى ظافرا منتصرا على العدى، ولم يذهب سعيه سدى، فالعزائم منازل الأبطال. واستعمال الصبر دأب الرجال. فمن فتح عمله بالجد وعظم درجة الاجتهاد. استفتح أبواب الخير. واقتعد غارب السداد. سيما ونحن ولله الحمد في عصر بزغت فيه أنوار العلوم. ولم يحرم من أدباء وفضلاء يدركون طريقي المنطوق منها والمفهوم. ويميزون بين العالم والجاهل. والحق والباطل. والحسن والقبيح. والفاسد والصحيح؛ ولذا يجب على النابه أن يثبت للنهاية؛ حتى يظفر بالغاية. ومن ثم لا تثني عزمه مواقع أو عراقيل. ولو اجتمع لمعاكسته أبناء فنه من جليل وضئيل

1

أما الذين لا ترضيهم أقوالنا من بعض الملحنين والمغنين. فلا سبيل إلى إقناعهم مهما أتينا لهم بشموس الأدلة ومتين البراهين. ولا يجب علينا أن نجيبهم بشيء على قدحهم؛ لأننا لسنا بأول من قدح فيهم القادحون. وهجاهم الهاجون. ويحق له أن يقول مع من يقول:

إذا قال فيك الناس ما لا تحبه

فصبرا يفئ ود العدو إليكا

وقد نطقوا مينا على الله وافترى

فما لهم لا يفترون عليكا

بل نتركهم مع الأيام طالبين لهم الهداية لأقوم سبيل، ولأنفسنا التوفيق لخدمة الأوطان بإحياء هذا الفن الجليل.

فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى

عليهم وهل إلا عليك المعول

وإذا كان الجاحظ على علو مرتبته في البلاغة وسمو درجته في العلم. استعاذ بالله من أولئك الذين ما خلقوا إلا لقرض الأمراض وعض عباد الله بأضراس من الوقاحة وأنياب من الشتم. فقال: من ألف كتابا فقد عرض عرضه للمفاضح فإن أحسن فقد استهدف. وإن أساء فقد استقذف. فأعوذ بالله من أولئك الثرثارين. الحسدة المتفيهقين.

وقال شوبنهاور حكيم الألمان: وإذا كان من شأن أصحاب الفضل والذكاء أن لا يلتفتوا إلى حسد الحساد، ولا يكترثوا بهم ولا يثير فيهم ما يأتونه معهم من آثار العداوة والبغضاء ثائرة الحقد والغيظ، بل تكون معاملتهم دائما معاملة الشفقة والمرحمة؛ فإن أهلا لحسد والنقص لا يزدادون إلا عداوة وكراهة ولا يميلون أبدا إليهم ولا يأنسون إلا بمن يكونوا على منالهم أو أدنى منهم طبقة في قلة الفضل وضعف الذهن، أما إذا وصل صاحب الفضل إلى حسن الذكر وعلو الصيت ونال حقه في زمانه فلا يكون ذلك إلا من باب حسن الاتفاق وتوافق الظروف ومساعدة الأقدار كما جرى ذلك للمرحوم (عبده أفندي الحمولي).

وعلى أية حال، فإن حسن الذكر كما يقول عنه أحد القدماء من الحكماء: «لا يفتر عن ملازمة الفضل ملازمة الظلال للأجسام فهو مثلها في حركتها وسيرها فتارة يكون من أمامه وتارة يكون من خلفه - فإن سكت عنك أهل عصرك ولم ينصفوك ولم يشهدوا لك بما أوتيته من الفضل لما يكون بهم من الحسد والنقص أنصفك من يأتي بعدهم وردوا إليك حقك بخلوهم عن كل هوى وغرض ***» وهذا القول من هذا الحكيم القديم يدلنا على أن السعي في إنكار ما ينفع الناس من الفضل والانتصار لما يضر من الجهل داء قديم في نفوس أهل النقص والعجز، وزد على ذلك أن انتشار الذكر بفضل الرجل الفاضل ينقص من أهل طبقته من معاصريه ويحط من شأنهم، فهم يسعون ما استطاعوا في كتمان فضله وانتقاص منزلته؛ حتى لا تعلو على منزلتهم ولا تغلب على شهرتهم ولا يروق لمن كان حاصلا منهم على شيء من حسن الذكر أن يشاركه فيه خلافه ويزاحمه فيه نده.

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٩٤