الناس من دنياهم في مأتم
فالسحب تبكي والرواعد تندب
وخاصم مرة صديقا له فقال: «لا أريد فراقك أبدا - ولكني سأراك بالنظارة المعظمة معكوسة».
وله في الغرام: «الحب طائر يلتقط حبة القلب؛ فالبصير من قتله أو فر منه قبل أن يراه». وقال أيضا: «لا يحزنك رغبة محبوبك عنك إلى سواك؛ فإنه ملك يتصرف في ملكه كيف شاء فيرضى عن هذا ويسخط على ذاك ولكن الذنب عليك حيث استهواك إلى الدخول في خدمته».
وكسا كثيرا من المعاني الغربية - حللا عربية. فقال منها: «كان بعض الملوك الفاتحين يسامر إحدى معشوقاته، في فتوحاته، ويذكر لها أنه كم سلب العاقل، واستنزل العصم من المعاقل، وكم ترك فوقا لأرض أرضا ثانية من الأشلاء، وأذل دولا شماء وكم هدم معلما. وأطاح عرمرما. وإن الدنيا طوع يديه، والأفلاك مسخرة إليه. فأجابته أجل أيها الملك الفاتح. والروض النافح. ولكن فتح المعاقل بقاذفة الشؤبوب، أخف من فتح القلوب، وإخضاع أمة من الأعداء، أهون من خداع غانية هيفاء».
وقال تحت عنوان (الداء الدفين): - لا يسلو العاشق ما تلذذ به من سلاف كأس الحب، كما لا ينسى ما تجرعه من مرارة آخره في القلب. فإن غدر به معشوقه فدب في قلبه له دبيب الملال. وصار معذبا بين عزة النفس وذل الحال.
تريدين كيما تجمعيني وخالدا
وهل يجمع السيفان ويحك في غمد
لما أمكنه أن يتلوه مع ذلك ولو سقي السلوان، ولا يطفأ ما اتقد في قلبه من لواعج الأشجان.
لا يخطر السلوان عنك بخاطري
إلا ورد من الجوى بكمين
إلا بأمرين: إذا تغيرت صورة من يهواه، أو اتخذ له عشيقا سواه.
فالأول: إذا رغبت العين أن تتمتع بحقيقة مرآي ما هو مطبوع في القلب. لما أجيبت بغير السلب. وهناك تذهب السكرة، ويتنبه العقل فتأتي الفكرة حاملة لواء النجاة، منقوشا عليها بمداد الحياة، (من الوجود، يعشق المفقود).
والثاني: يتذرع المعشوق الجديد بسلاح عزم العاشق الوطيد. وينقض على المعشوق الأول فيقوض منه الدعائم، وينزعه ليحل محله من قليب قلب الهائم. والعاشق المسكين بين ذلك تتنازعه عوامل الأسى والأسف. ويشوى كبده على جمر التلف. على ترك معشوقه السابق. وخشيته من اللاحق، وتستمر تلك الثورة في قلبه على قدم وساق. بين الحب والحزن والفراق، حتى يتغلب أخيرا على نفسه وينبذ الأول ظهريا، وضعيفان يغلبان قويا. فهو كما ترى في شفاء مقيم مهما تنوعت الأسباب، وبلاء عظيم ما دام يجري في عروقه دم الشباب؛ ذلك لأن المعشوق الجديد متى ثبتت قدمه في الدار، فعل ما يهوى ويختار. فران على قلبه. وأخذ بمجامع لبه. وربط جوارحه. وحل جوانحه. وتصرف كسابقه تصرف الملاك على مرأى من المالك. فيتلف معالم عقله ويسد في وجه صاحبه المسالك.
المستجير بعمرو عند كربته
كالمستجير من الرمضاء بالنار
فيرفع الدعوى من خصمه إليه، فيحكم له لا عليه.
يا أعدل الناس إلا في محاكمتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
فمثل قلبه في ذلك كالبكر العذراء، إذا تزوجت رجلا جميل الطلعة والرواء وبعد قليل من الزمان. سامها خسفا وأذاقها الهوان. وانقلب عليها بعد العزة فاستذلها. وما كفاه قلاها حتى لابس عليها غيرها. فتطلب بالضرورة ما ينقصها من لذة الجماع. وتذهب إلى القاضي ليحكم لها في هذا النزاع، وبعد التثبت من أقوالها. يحكم بانفصالها عن زوجها. وهي مطلقة التصرف ثمت للتأهل بأي رجل تشاء. ممن فوق الغبراء. فلو أمكنها العدول عن تجديد عقد الزواج. وفضلت العزلة عن احتياجها في المستقبل إلى مر العلاج.
تفرد الشيء خير من تألفه
بغيره وتجر الألفة النقما
لأمكن كذلك للعاشق أن يمتنع ثانية عن الغرام. بعد أن أذاقه صنوف الآلام. ولكن أنى له ذلك وبذوره كامنة في قلبه كمون النار في الحجر. والزهر في الشجر. وإرادته ضعيفة من أن تحجر على عينه من صرف إنسانها على كل جميل. أو تخلصه من شبكة الحب إذا أوقعه فيها قلبه العليل.