(مؤلف هذا الكتاب)
بقلم حضرة الكاتب الأديب، والناثر الأريب، صديقه وتلميذه الفاضل. عبد الله أفندي كامل.
هو الموسيقار الأديب، ونابغة مصر الأريب، الذكي اللوذعي، (كامل أفندي الخلعي)، ابن سليمان أفندي الخلعي. من أسرة الخلعي الشهيرة بدمنهور.
ولد المترجم بالإسكندرية لما كان والده ضابطا بالجيش المصري في يوم عشرين رجب سنة 1296 هجرية. وجاء به إلى مصر صغيرا، فأدخله إحدى المدارس الأميرية. فأشرقت شمس ذلك المفضال. إشراقها في وجه الهلال. وكان يميل إلى مطالعة كل كتاب. ميل الأرض الماحلة لابن السحاب. فكنت تراه حليف رقاع.. أليف محبرة ويراع.
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوه
قد اطلع على كثير من كتب الأدب، ودرس أشعار العرب. وتصفح وسائل الأدباء. وطالع مقامات البلغاء والفصحاء. فعلق في ذاكرته النثر الفحل. والنظم الجزل. فكان في ذلك كالنحل تروح وتغدو على غصون الأشجار المختلفة الأجناس. فتختار منها أندر الأزهار. وأغرب الأنوار. وتنفث من مجموع ذلك شهدا فيه شفاء للناس.
وأعقب ذلك بمصاحبته لخير من شعر وكتب. ونثر وخطب. العلامة الفاضل الذكي. سما حتلو أفندم (السيد توفيق أفندي البكري) - فصار كاتبا ليده أزمانا طويلة وهو له أقرب جليس. وأيمن نديم وأنيس.
ثم تنقل تنقل القمر في المنازل. وعاشر العظماء والأماثل، فتراه يوما في روض أنيق، ويوما بحزوي ويوما بالعقيق.
ولما كان علو همته لا يقف عند حد. وليس لصدره ورد. شغف بفن (الموسيقى) بعد فني الرسم والخط شغف عمر بالثريا. وحارثة بن بدر بالحميا. وصافى أهل الفضل في ذلك الفن الجليل. كالموصلي والمغربي وعبد الرحيم وأبي خليل. فأخذ منهم ما أشجى وأطرب، وروى عنهم ما أعجب به وأغرب.
فما إسحاق الموصلي في توقيعه على الألحان. ولا إبراهيم بن المهدي في قدرته على تبديد الأحزان. ولا معبد في جلب السرور. ولا زرياب وقد أهر خفايا القلوب ومكنونات الصدور. بأحسن صوت ولا أتقن في الصناعة. ولا أعلم مجيد هذه البضاعة. من هذا الذي ميز الغث من الثمين. وأظهر الشك من اليقين. ولا غرو فالبحر الخضم، إذا فاض لم يحكه اليم.
وليس يصح في الأذهان شيء
إذا احتاج النهار إلى ذليل
لعبت في أسرته أيدي الأيام ففرقتهم منه الآمال. بل جد واجتهد. وقيد ما شرد، ورحل إلى البلاد القاصية. والجهات النائية؛ ليستجلي غوامض أسرار هذا الفن النفيس. حتى صار أستاذا يرجع إليه في المشكلات ويعول عليه في التدريس. متضلعا من الموسيقى الشرقي قديمها وحديثها، حافظا لتلحين الموشحات والأدوار المصرية. والشامية والتركية. ما يعجز عن حفظ عشره أكبر موسيقي في الشرق مع الدقة وحسن الإلقاء؛ حتى يخيل للسامع أنه ثمل بين الرياض الغناء. مشهورا في توليد السرور في قلوب خلصائه حين غنائه. فلا يعتريهم ضجر أو سآمة. بل كأن المحل الذي هم فيه فم يفتر عن ابتسامة.
مر المذاق على أعدائه بشع
حلو الفكاهة للأصحاب كالعسل
وحسبك دليلا قاطعا، وبرهانا قويا ساطعا، ما في ألحانه من المتانة والطرب. وهي كما شهد لها أئمة الفن والناس غايات الأرب. له كثير من الأفكار السامية والألفاظ الرقيقة. والمعاني السهلة العميقة. ما تشهد له بطول الباع. وسعة الاطلاع. وأنه من فصحاء الأدباء. قال منها في مؤلف مطبوع له هذا التشبيه في الغناء: «اللحن البديع - من مغن مجيد - وعلى آلات الطرب، كالمعنى اللطيف - يكسوه اللفظ الشريف - ضمهما بيت بليغ من الشعر».
وله في الحكم العصرية. لتهذيب أنفس المسرفين من أبناء الأغنياء في الأزبكية: الأزبكية ملعب يمثل عليه إسراف الوارثين فيظهر الواحد منهم في الفصل الأول من الرواية ملكا (يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما) حتى إذا ما انتهت *** ظهر في الفصل المضحك أجيرا يلعن الزمن ويذم الدهر وينشد مع الحكيم.