تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

بشعر لطيف وهو:

طلع البدر علينا

من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا

ما دعا لله داع

أيها المبعوث فينا

جئت بالأمر المطاع

وأول من أفسد الغناء القديم وجعل للناس طريقا جديدا رقيقا بالأصوات الحزينة إبراهيم بن المهدي (أوائل السيوطي) - [وقلده المصريون جميعا في ذلك للآن].

وأول من تغنى من العرب الحجازية خزيمة بن سعد ويلقب بالمصطلق لحسن صوته في غنائه (قاموس).

وأول من أحدث الحداء غلام من مضر - روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في مضر فسمع صوت حاد يحدو فقال: ميلوا بنا إليه فقال: ممن القوم؟ قالوا: من مضر. فقال: أتدرون متى كان الحداء قالوا: لا بأبينا وأمنا، فقال: إن أباكم مضر خرج في مال له فوجد غلامه قد تفرقت عليه إبله فضربه على يده بالعصا فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح وأيداه وأيداه، فسمعت الإبل صوته واجتمعت.. فقال مضر: لو اشتق من هذا الكلام مثل هذا لكان كلاما يجتمع عليه الإبل فاشتق الحداء من ذلك.

وكان سلام الحادي من العرب في الدولة العباسية يضرب المثل بحدائه، فقال يوما للمنصور: يا أمير المؤمنين، مر الجمالين بأن يظمئوا الإبل ثم يوردوها الماء، فإني آخذ في الحداء فترفع رءوسها، وتترك الشرف، ففعلوا ما قال فأجرى ما التزم وارتجز:

ألا يا بانة الحادي

بشاطئ نهر بغداد

شجاني فيك صباح

طروب فوق مياد

يذكرني ترنمه

ترنم ربة الوادي

وإن جادت بنغمتها

فمن (أنجشة الحادي)

والحقيقة أن الموسيقى لم يعرف لها واضع، وكل من حدد واضعا لها فقد أخطأه الجد وخدعه الباطل، ولم يدرك حقيقة العمران وأطوار بني الإنسان، فإن الإنسان في أي طور ظهر وأرض انتشر، فالغناء حليفه والشعر أليفه - أو ما تراك ترى الأمم الهمجية والقبائل الوحشية لها ألحان وأنغام تلائم طبعها تناسب حالها - نعم إنها تختلف في الأمم اختلافا هائلا وتتباين تباينا عظيما، ومنشأ هذا تفاوتهم في المدنية ودرجاتهم في العلم والحضارة - فالذي ينظر مثلا إلى الزنجي في أفريقيا - والأديب في أوربا يضع كل واحد منهما في كفة ميزان - يرى أن الأول كأنه بالنسبة إلى الآخر ليس من نوع الإنسان، بل هو من نوع آخر يشبهه في اعتدال القامة وتقاطيع العضلات - وكما أن الفرق الذي تراه في شكلهما وعلمهما تراه بين لحنهما وغنائهما.

وقصارى القول في الموسيقى أن النفس عند سماع النغم والأصوات يدركها الفرح والطرب بلا شك، فيصيب مزاج الروح نشوة يستسهل بها الصعب ويستميت في ذلك الوجه الذي هو فيه، وهذا موجود حتى في الحيوانات العجم بانفعال الإبل بالحداء والخيل والحمير بالصفير كما علمت - ويزيد ذلك تأثيرا إذا كانت الأصوات متناسبة كما في الغناء، وأنت تعلم ما يحدث لسامعه من مثل هذا المعنى - ولأجل ذلك تتخذ العجم في مواطن حروبهم (الآلات الموسيقية) لا طبلا ولا بوقا فيحدق المغنون بالسلطان في موكبه بآلاتهم، ويغنون فيحركون نفوس الشجعان بضربهم إلى الاستمالة. ولقد سمعنا أيضا أن في حروب العرب الأقدمين من كان يتغنى أمام الموكب بالشعر ويطرب، فتجيش همم الأبطال بما فيها ويسارعون إلى مجال الحرب وينبعث كل قرن إلى قرنه - وكذلك زناتة من أمم المغرب يتقدم الشاعر عندهم أمام الصفوف، ويتغنى فيحرك بغنائه الجبال الرواسي، ويبعث على الاستمالة من لا يظن بها، ويسمون ذلك الغناء (تاصوكايت) - وأصله كله فرح يحدث في النفس، فتنبعث عنه الشجاعة كما تنبعث نشوة الخمر بما يحدث عنها من الفرح.

وهذا الفن آخر ما يحصل في العمران من الفنون؛ لأنه كمالي في غير وظيفة من الوظائف إلا وظيفة الفراغ والفرح، وهو أيضا أول ما ينقطع من العمران عند اختلاله وتراجعه كما هو واقع بالشرق الآن.

وفي لفظه لغتان إحداهما موسيقي بمثناتين تحتيتين بينهما قاف مكسورة (والأخرى) موسقي بحذف الياء الأولى - وعلى كل من اللغتين، هو بضم الميم وسكون الواو وكسر السين المهملة كلمة يونانية معناها علم النغمات والألحان - وكان هذا هو الأصل فيه، ثم صار علما على هذا العلم في سائر اللغات، ويسمون المغني: المطرب، والملحن المجيد: (موسيقار) والآلة التي يصور بها كالعود وغيره (موسيقيري) حسبما يظهر من تتبع كلامهم، حيث قالوا: كل صناعة متعلقة باليد فموضوعها الجسم الطبيعي، إلا الموسيقيري، فموضوعها الصوت المشتمل على الألحان المخصوصة، ولا يخفى عليك أن تعلق الصناعة باليد إنما يجري في الآلة فقط وبعضهم يسمى المغني (بالموسيقان) وآلة الغناء (بالموسيقات).

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٩