وقيل إن الفارابي
7
صنعه لما مات والده وجعله على طبائع الإنسان، وقال: هذا أبي ليتسلى به، وعمل له لوالب تربط فيه الأوتار وتعرك إلى أن يضبط الساز - إن شاء حاذقا، وإن شاء رخيما - ولكنه لم يجوف له بطنا، ولم يثقب وجهه، بل جعله مسدودا، فلما ضرب عليه ولم يظهر له طنين بل خرس تركه وصار يقول إن أبي أخرس، ثم إنه تفقده في بعض الأيام وضرب عليه فظهر له صوت عال فنظر إليه فإذا الفار قد نقره فعلم أن صوته من نقر الفار، فقال هذا ليس بأبي، بل الفار أبي قالوا: ومن أجل ذلك لقبوه به أي: بالفارابي.
وأقول: هذا ليس بشيء؛ لأنها نسبة إلى فاراب، وهي ناحية وراء نهر سيحون أو اسم المدينة أترار كما في القاموس.
والفارابي لم يبدع العود قط بعد أن علم أنه من مخترعات الأمم السابقة، ولكنه زاد فيه أنغاما وأتقنه. وأيضا ذكر صاحب الصحاح أن العود اسم آلة من آلات المعازف. والصحاح لم يذكر إلا لغة العرب، أي: ما نطقت به والفارابي ما ظهر إلا بعد انقراض من يعتد بلغته من العرب وهو أيضا ليس منهم، بل عجمي مستعرب. (وفي أوائل السيوطي) أن أول من وضع الآلة المعروفة للغناء المسماة (بالقانون) ورتبها أبو نصر الفارابي أستاذ ابن سيناء.
وقيل: إن أول من صنع العود بعض حكماء الفرس، وأنه سماه: البربط وتفسيره (باب النجاة) والمعنى أنه مأخوذ من صرير باب الجنة - وقد جعل أوتاره أربعة بإزاء الطبائع الأربع - فالزير
8
بإزاء الصفراء - والمثنى
9
بإزاء الدم والمثلث
10
بإزاء البلغم - واليم
11
بإزاء السواد - فإذا اعتدلت أوتاره، ورتبت على ما يجب، جانست الطبائع وأنتجت الطرب، وهو رجع النفس إلى الحالة الطبيعية دفعة واحدة. ثم ما زالت عدة أوتاره أربعة إلى أن ظهر زرياب وتعلم ضرب العود من إسحاق الموصلي وتمهر فيه حتى برع وفاق أستاذه وصبغ الأوتار الأربع بألوان ما هو بإزائها من الطبائع - فجعل ما بإزاء السوداء أسود - وما بإزاء اليم أحمر - وما بإزاء البلغم أبيض - وما بإزاء الصفراء أصفر، وزاد وترا خامسا سماه: النفس؛ لعدم قيام الطبائع الأربع بدونه.
ولما أن علم إسحاق أستاذه بهذا الأمر؛ قال: إن العراق لا يسعني ويسعك فاخرج منه. فخرج ولحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس، فبالغ في تكرمته وركب للقائه وأسنى له الجوائز والإقطاعات والجرايات، وأحله من دولته وندمائه بمكان - وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر عوضا عن مضراب الخشب - فأبدع في ذلك للطف الريشة، وخفتها على الأصابع وطول سلامة الوتر على كثرة ملازمتها إياه - فأورث بالأندلس صناعة الغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف، وطما منها بإشبيلية بحر زاخر وتناقل منها بعد ذهاب غضارتها إلى بلاد العدوة بإفريقية والمغرب، وانقسم على أمصارها، وبها الآن منها صبابة على تراجع عمرانها وتناقص دولتها.
وقيل: إن أول من غنى على العود من العرب بألحان الفرس.. النضر بن الحارث؛ وذلك أنه وفد على كسرى، فتعلم ضرب العود والغناء وقدم مكة فعلم أهلها.
وقيل: إن أول من غنى في الإسلام بألحان الفرس طويس؛ وذلك أن عبد الله بن الزبير لما بنى الكعبة ورفعها، كان في بنائها صناع من الفرس يغنون بألحانهم، فوقع طويس عليها الغناء العربي، ثم دخل الشام فأخذ من ألحان الروم - ثم رحل إلى فارس فأخذ الغناء وضرب بالعود وأتبعه من بعده.
وفي (أوائل السيوطي) أن أول صوت غني به في الإسلام كن يغني به طويس:
قد براني الشوق حتى
كدت من وجدي أذوب
وقال السيوطي: إن أول من ضرب بالدف عند ظهور الإسلام بالمدينة المنورة الجواري من بني النجار، استقبلن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بالدفوف يتغنين ويضربن بها وهن يرتجزن.
نحن جوار من بني النجار
يا حبذا محمد من جار
وأول غناء تغنى به النساء والصبيان في المدينة عند قدوم رسول الله