ولم يكتف حضرة المؤلف الكبير. والمغني المصري الشهير. بما ارتكبه في كتابه الأول من آثام الغلط. وأوزار الشطط. حتى دفعه الغرور مرة أخرى إلى طرق هذا الباب. بما يبعد عن طريق الصواب. وسولت له نفسه فثناه بكتاب آخر وضع فيه صور الراقصات. ذاكرا الأدوار السافلة التي يغني عادة بها في مثل تلك المجتمعات. واضعا كلا منهن حسبما يعهده في رباتها من الترتيب في قوة الرقص ودرجة الجمال. وإجادة الخلاعة في سلب عقول الرجال. فدون كل ذلك بيده الأثيمة. وارتكب أقبح جريمة. بما أدى إلى سخط أهل الصناعة من ذلك الصنيع. وتغيظ ذوي المجد الأثيل والشرف الرفيع. فحارب بذلك الفضيلة. لينصر الرذيلة. كأنه لم يقنع بما حلق في بلادنا من الفساد فحام حولها ليزيد ضرر العباد. وأقسم أن يجهز على البقية الباقية من الحياء والآداب، ويقطع بينها وبين طالبيها الأسباب. فأدى بذلك وظيفة الشيطان. في إفساد البنات والشبان. ومن يؤذي إخوانه. ويرضي شيطانه. فقد لؤم في القول والعمل. وخاب فيه الرجاء والأمل.
أليس من المضحك المبكي إن ما يرى ويسمع ليلا في حاله السكر واللهو. يقرأ وينظر نهارا في حالة العقل والصحو. فمثل هذا الكويتب الحقير، أجدر بالتفات الحكومة ورجال الأمن من كتاب المسامير، وحق لهم رد جماح هؤلاء الصبية الأغمار، الذين يبيعون على الناس مفاتيح الفساد السائق إلى وليه جيوش الدمار؛ ليرتدع من ينسج على منوالهم ويزدجر، ويجد العبرة في غيره فيعتبر، وعلى الأمة أن لا تتلقاه إلا بالتمزيق. وذره في عيني صاحبه بعد الحريق. فالامتناع عن مطالعته نعمة جزيلة. وعدم النظر إلى أولئك النسوة من الفضيلة. اللهم ألهمنا جميعا لما فيه الصواب. ولا تزغ قلوبنا إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
شكل 23-2: سليمان افندى حداد.
شكل 23-3: سليمان افندى قرداحى.
شكل 23-4: اسكندر افندى فرح.
شكل 23-5: الشيخ سلامه حجازى.
| هوامش
الفصل الرابع والعشرون
| ترجمة (الأستاذ الشيخ سلامة حجازي)
هو الممثل المطرب البارع. والنجم الزاهر الساطع. رافع لواء التمثيل العربي. (الشيخ سلامة حجازي).
ولد المترجم سنة 1278 ه وذلك على التقريب بمدينة الإسكندرية. وبعد أن حضر مبادئ العلوم اشتغل بفن الإنشاد على الأذكار الصوفية. فلما جاز قصب السبق على معاصريه هناك بما كان يودعه في المسامع من طيب ألحانه، لهجت الألسنة بذكره ورفع الناس من قدره وشأنه. حتى وصلت شهرته إلى مسامع رئيس جمعية من جمعيات التمثيل، فسعى إليه وحسن له الدخول في هذا الفن الجليل. شارحا له فضائله ومزاياه. كاشفا له عن حسن مستقبله إذا أطاع أمره ولباه. قال له مثلا: واعلم أن التمثيل أنفع صناعة. وأربح بضاعة. يكسو صاحبه ثوب الجمال والجلال. ويصيره معدودا من أفاضل الرجال. الذين يرفلون في حلل الرفاهية. ويتنعمون في عيشة راضية. فبفضل تلاوة الروايات يمكنك أن تخرج للناس إبريز البلاغة. وتصوغ لحين الكلام أحسن صياغه. فإذا ما تكلمت رأيت آذانا صاغية. وقلوبا واعية. وسيتضح لك صدق قولي أيها النبيل. حيثما ترى إخوانك هذه الليلة في التمثيل. بملابسهم الفاخرة، ومحاسنهم الباهرة، وشمائلهم اللطيفة، ونفوسهم الشريفة. وهم يهدون إلى الأسماع أنواع البديع من الأناشيد والألحان. وينزهون الأحداق في حدائق المناظر مع محاسن الأشعار وسحر البيان. فينشرح منك الصدر ويقر الناظر. وتود أن تكون بين النجوم الزواهر.
فجنح الأستاذ إلى الطاعة ولبى الطلب. بكل أدب. لعلمه أن ليس أحسن من الخضوع والانقياد. إلى ذوي الدراية والرشاد. فكان أول دور مثله في رواية (مي) - هو (كورياس). مع حضرة أستاذه الأول (سليمان أفندي حداد) الذي مثل أمامه (هوراس).
وكان الملعب في تلك الليلة غاصا بوجهاء القوم من جميع الطوائف وفضلائهم. وشعرائهم وأدبائهم. وكلهم أجمع على رخامة صوت الأستاذ وبزوغ سعده إذا ثبت وثابر على العمل، فأجاب الله سؤلهم وبلغهم رجاءهم والأمل.