وقد مكث بعد ذلك زهاء الخمس عشرة سنة في جوق حضرة (إسكندر أفندي فرح). وهو يزيل عن قلوب الناس الهم والترح. ثم انفصل عنه حبا في أن يرتقي به هذا الفن النفيس
1 .
فأصبح مديرا لهذا الجوق، وأنعم به من رئيس، قد كملت فيه أسباب الظرف. واللياقة واللطف. حلو الشمائل نبيل. وقدره بين الناس أثيث أثيل. فهمه صحيح. ولسانه فصيح. يرى بأول رأيه آخر الأمور. ويهتك عن مبهماتها ظلم الستور. بحكمته يؤلف بين الجمر والماء. كما جمع بين حسن التمثيل مع صعوبته وطيب الغناء.
يا من تجمع من حسن الخلال له
ما قد غدا في جميع الناس مفترقا
يا أكرم الناس أفعالا وأكملهم
فضلا وأشرفهم إن ميزوا خلقا
وبالجملة فقد أجمع الناس على تفضيله. في غنائه وتمثيله، ما زال عاقدا ألوية أهل الألحان، ورئيس الممثلين في كل زمان ومكان. إن شاء الله.
ويحق لنا الآن نحن - معشر الشرقيين - الفخر بوجود مثل هذا الجوق الوطني الكبير الذي يضارع أجواق أوروبا الشهيرة - أبقى الله رئيسه وصحبه قدوة حسنة نقتدي بأعماله وتستضيء بنبراسه الجمعيات الشرقيات الأخرى، إنه سميع الدعاء. مجيب النداء.
وعلى ذكر ذلك أنشر هنا ما كتبته جريدة الأفكار الغراء في عددها 293 من سنتها السابعة الصادر في يوم الجمعة غرة الحجة سنة 1323 بخصوص حضرة الشيخ المذكور وجوقته تحت عنوان (التمثيل والممثلون):
إن كان للمدارس فضل في تربية عقول الناشئة وتشحيذ أذهانهم. وللجمعيات مزية لتيقيظ ذاكرات كبار الطلبة ومتخرجي دور العلوم. وللجرائد فائدة ونفع لنبهاء الأمة ورجال العمل فيها. فللتمثيل الفوائد الممتازة والمنافع العميمة لكل واحد في كل طبقة ووسط، فقد أفادت التجارب والاختبارات أن المرئيات أقرب إلى الحافظة والتصور والمسموعات أوكد آثارا في النفس، وأكثر إثارة لتأثرها فإذا اجتمع الأمران وازدوج الخبران كان أثراهما أمكن وقعا وأشد انفعالا بالنفس التي لا تلبث خافقة ترفرف كالطير وراء حركات المناظر وتغيراتها - وقد عرف سكان العرب للتمثيل هذه المحامد الجميلة فصرفوا لتكثير دورها كل عناية والتفات حتى أصبحت متعددة المحال متنوعة المناظر منبثة في كل النواح. ومنذ العهد الأقرب شعر بالحاجة للتمثل في ترقية النفوس وتعديل الأمزجة واعتدال المشارب - بنو مصرنا العزيزة فشغفوا به وولعوا بكل جديد فيه، خصوصا منه الغريب الرؤية الحكمي الوضع المهذب المؤدب وعلم كبار رجال هذا الفن من ناس هذا الميل الكبير الفائدة، فاهتموا به ولا كاهتمام حضرة الممثل الوحيد المطرب المجيد الشيخ سلامة حجازي صاحب الشهرة الذائعة والصيت البعيد فإنه طفق - أعانه الله منذ استقلاله بهذه الفن - يجيء لنا بالمستغرب من القصص الحلوة الحديث، المدهشة المناظر ولسنا وحدنا في امتداح هذا النابغة الموسيقي المعجب فقد امتلأت نواحي بلاد القطر من الثناء على اجتهاده والمدح لاهتمامه حتى قال أحد الإفرنج (العارفين بالعربية طبعا) وقد حضره في تمثيله وأبصره وقت إلقائه التلحينات وهو يترنم بصوته الرخيم وينظر للذي جانبه مستلفتا إياه إلى انتظامه معه في الإيقاع والتنغيم: لا بد أن يكون لهذا الرجل في دماغه مخان يضبط بأحدهما تصويته ويزن بالثاني أصوات رفقائه، أو يكون الذي يصوت بما نسمعه منه سواه - وليس بعد هذا من حاجة لامتداح، فإن شهادة الأجنبي بعشرة (خصوصا الغربي في هذه الأيام) ولم نرد أن ما يحمد عليه حضرة الشيخ هو حسن التنغيم فقط، فإنه لم ينس أنه هو بذاته ذاك المؤسس لأول جوق تمثيل في وإنه الذي أدهش بإتقان هذا الفن كل واحد وساق الممثلين بتعاليمه وإرشاده لإحسان الحركة والرشاقة والمهارة في أعمالهم فهو أبو هذا الفن ومبدع وجوده ورئيس فنه في مصر وكل من جاء فتابع بلا ريب لآثاره وممثل لوصاياه. وهذا من حوله من رجال جوقة البارعين قد بلغوا من أعلى هذا الفن قمته حتى صار في قدرة كل واحد منهم أن يظهر بأشكال تذهل الرائين بدون أن يلحظ واحد أنه هو - وهذا غاية في الاقتدار ونهاية في التحكم على الإرادة ومصائر ما يمكن أن يبلغه الممثل في إتقان فنه سواء الشرقي أو الغربي ولا بدع إذا افتخرت الصحافة بالشيخ وجوقه عن لسان بني وطنه المصري ورجت له أن يتقدم في فنه وأن يعرف الناس فضله ومزاياه فيقبلوا عليه ولا يحجبهم عن الرغبة فيه متحيز بذم الورد على احمراره وبحد البدر على أنواره. (تنبيه) لعموم الأجواق العربية - قد أشرت منذ سنتين على حضرة (إسكندر أفندي فرح) حينما رغب إلي أن أشتغل معه بعد أن انفصل عنه الأستاذ (الشيخ سلامة) بأن يشكل (جوقة موسيقية تركية) لاتحادها تماما مع الألحان العربية - وتشتغل مع جوقة الغناء سواء بسواء؛ حيث أكون ربطت القطعة بالنوتة أولا وأعطيتها للجوقة الموسيقية ثانيا - فتكون في هذه الحالة كل رواية (أوبرت) - وبعد ذلك يمكنني أن ألحن رواية برمتها (أوبرا) - ودللته على من يكون رئيسا لهذه الجوقة - وبالفعل جعلني الواسطة بينه وبينه - وبعد أن قمت بهذه المأمورية خير قيام وأعجب بمهارة هذا الأستاذ الذي انتخبته الحضور - ضن بالمصاريف فضرب صفحا عن هذا العمل الجليل - فلم آل جهدا في أن نبهت إلى هذه الفكرة حضرة صديقي الفاضل الشيخ (سلامة حجازي) - فعسى بهمته الشماء وما عهد فيه من ميله لرقي فنه أن يتمم هذا العمل العظيم الذي شرعت فيه لرقي فنين في الحقيقة هما (التمثيل والموسيقى) وما على من يريد التفرد ويود أن يعمل عملا عظيما يدون له في التاريخ هذا الأمر بعزيز، سيما بعد بذل كثيرا من المصاريف التي سيجني أكثر منها أضعافا إن شاء الله إذا أطاع ما يشير به عليه محبوه. ولكي يكون له من جهة أخرى فضل السبق على سواء في إحياء (فن التمثيل) الذي لا يتم ولا تقوم له قائمة إلا إذا حلت في جسمه روح (فن الموسيقى) - وإني لا أخشى أن أقول بصراحة وحرية ضمير بأني مستعد لخدمة أية جمعية تمثيلية في مصر تود أن تكون البادئة بهذا العمل - وعسى أن تكون (جمعية المعارف) لأنه من السهل عليها عمله الآن لوجودي رئيسا لها - ولي أمل وطيد في نجاحها؛ لذكاء شبانها وميلهم إلى الآداب.