ثم عجل بالعودة إلى مصر ليشتغل غنائه في اسطوانات (الفوتوغراف) طلبا للعيش ولما حضر وباشر ذلك فعلا جاءه نعي أحد أصدقائه المخلصين بالمنيا فاغتم عليه غما شديدا ولم يسمع لنصيحة أصحابه، بل خالفهم لقضاء ما توجبه عليه مروءته وسافر إلى تلك المدينة، وأقام هناك أياما ما مشاركا لأهل الميت في أحزانهم، ولما عاد، عاد باشتداد المرض عليه حتى أدركته منيته.
وكان المرحوم كريما جوادا محبا لفعل الخير هماما في قضاء الحوائج مدفوعا إلى ذلك بمجرد حب الخير في ذاته وله فيه ما لا يكاد يحصى من الأعمال، وإنما نذكر هنا شيئا منها على طريقة المثال:
دعي المرحوم مع تخته إلى مدينة سوهاج للاحتفال بليلة خيرية لإعانة مدرستها واتفق مع أصحاب الاحتفال على (80) ثمانين جنيها لإحياء تلك الليلة، فلما سافر إلى سوهاج وجاء وقت الغناء رأى كثيرا من أعيان المديرية مجتمعين ليجمعوا من بعضهم ما يتبرع به كل واحد منهم بتبرع بخمسة جنيهات وذاك بستة فدخل في وسطهم فقال: وأنا قد تبرعت بأجرة الليلة وعاد من سوهاج، فنقد المغنين الذين معه أجرتهم من جيبه - واتفق مع بعضهم على إحياء ليلة في ملعب المنصورة بستين جنيها أخذ نصفها مقدما - ولما انتهت الليلة جاءه الرجل يتظلم من قلة الإيراد وإنه صاحب عيلة، فتجاوز له المرحوم في الحال عما بقي له له، وخرج ليلة من بعض الأفراح بعد انتهاء السهر فقصده في الطريق رجل قال له: إن ابني مطلوب في العسكرية، وليس عندي ما أفديه به - فأخرج المرحوم سرة الدراهم التي أخذها وأعطاها له - وبلغه مرة أن أحد معارفه من تجار طنطا وقع في ضيق يخشى عليه من الفضيحة فجمع ما لديه من الدراهم وأعطاه 500 جنيها ليستعين بها في عسرته ويحفظ صيته في تجارته - ومر في سيره إلى الأستانة ذات مرة على أزمير فوجد فيها أحد معارفه مع عياله لا يجد لهم ما يقوم بحاجتهم ولا من يردهم إلى وطنهم فأعطاه كفايته.
ولما توجه إلى الأستانة كان أول عمل له أن سعى إلى بعض الرؤساء في المابين فأخذ منها كتاب توصية لوالي أزمير ليقضي حاجة الرجل - فلما وصل الكتاب إلى يد الوالي تعجب من تلك العناية العالية لهذا الرجل الذي لم يكن يعتني به ولا بحاجته من قبل وقضاها في الحال، وكان استغراب صاحب الحاجة إلى سرعة نهوها أكبر وأكبر - كان يجود مثل هذا الجود وحين هذا الإحسان وهو في حال ربما كانت أضيق عليه من حال سائله - وفي كثيرين من هؤلاء الكبراء والموظفين من سعى لهم المرحوم ولثم لأجلهم الأيدي حتى اتصلوا بهذه المراكز العالية.
وأما مواساته للضعفاء خاصة، فنوادره فيها كثيرة فكان يساعد كل من قصده منهم بنفسه، جاءه رجل من عامة الناس يخبره بعزمه على زواج ابنته وكان جالسا مع أحد رسلاه الكبراء ليتفق معه على ليلة معينة لعرس عندهم - فسأل الرجل عن ميعاد تزويج ابنته فقال له: إنها في ليلة كذا وكانت هي الليلة التي بدأ الاتفاق عليها مع الرسول فالتفت إليه وقال له لا يمكنني الآن إجابة الطلب ثم أرسل مع الرجل الضعيف من يهيئ له معدات الاحتفال وذهب في تلك الليلة المعينة إلى داره فغنى فيها إلى الصباح ووضع في يد الرجل عند انصرافه 20 عشرين جنيها ليقضي بها حاجة العروسين.
وأما بره بأهله ومن حوله فأمر مشهور وكان يدفع في كل شهر كثيرا من المرتبات لعائلات المحتاجين ممن اشتغل معه من أهله فله وغيرهم - وقد وضع قاعدة يسير عليها تخته إلى اليوم: وهي انه إذا عجز أحدهم عن ممارسة صناعته أخرج له نصيبه الذي كان يأخذه في الشغل وهو مقيم في بيته ومنهم من أقام عاجزا عشر سنوات - وبالجملة فقد أنفق المرحوم أكثر ما اكتسبه على وجوه الخيرات ولو كان ادخره عن الناس كما يدخر هؤلاء الأغنياء أموالهم، لكان قد ترك المائة أو المائتين ألف جنيها بعد موته.