تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان كتوما للسر طالما شهد الناس في مختلف طبقاتهم على ما لم يشاهدهم عليه؛ سواء في مجالس أنسهم ولهوهم فلم يسمع عنه أنه نقل بين الناس شيئا مما سمع ورآه.

وكان على ذلك عظيم التواضع يعامل كل إنسان مما تقتضيه ظواهر أمره. وقد جعل لنفسه بحسن سيرته وشرف أخلاقه جاها عظيما ومقاما محترما في النفوس، فلم يدخل مجلسا إلا وهو المقرب المعظم منهم - وكان واسع الخبرة في معاملة كل الطبقات يخاطب كل إنسان بما يألفه ويرتضيه وكان طلق الوجه طلق اللسان يصيب غرضه بحسن بيانه حتى لقد قيل عنه إنه لو كان سفيرا لدولة من الدول لما تعقد عليه أمر في السياسية، وكان خفيف الروح لطيف المجالسة آخذا من كل شيء بطرف يفهم كل ما يقال في المجالس سواء عليه في ذلك مجالس اللهو ومجالس الجد.

يسرك في السراء حلو ندامه

وأنجد في الضراء من صارم وعضب

وكان متوقد الذهن يكاد يبادر بغرضك قبل أن تشافهه به ويعينك على الفصاح بحكايتك بهيئة استماعه لك، وكان كثير الحذر في التعبير لشدة الاحتياط، وكان يضع في كلامه محلا لقدح فكر المخاطب، وكان مع ذلك كله شديدا في الحق لا يبالي بأرباب المناصب والمراتب إذا أغضبه منهم ما يخالف المروءة والفتوة وإن كانت أفعالهم لا تمس شخصه، بل كان يغضب للناس وله وقائع مشهورة مع بعض أرباب المناصب الحاضرة فضح فيها أخلاقهم في مواجهتهم وسط المجالس الكبيرة فخرجوا من أمامه بالذل والصغار.

وقد مات المرحوم والناس إجماع على تفضيله والقلوب مرتبطة بمحبته، وكل الناس راضون عنه لا تسمع منهم إلا الثناء المحض والمدح الصريح؛ سواء في ذلك الخاصي والعامي والكبير والصغير والرفيع والوضيع.

فاذهب كما ذهبت غوادي مزنه

أثنى عليها السهل والأوغار

فما روضة غناء كأنها حسناء، قد افتن في تصويرها الجمال. وجعلها للناظرين كالمثال فالغصن قلدها. والورد خدها. والرمان نهدها. وعليل النسيم عهدها. والكريم شعرها. والأقاح ثغرها. انتبهت فيها غافية حمام فوق نمارق الأغصان والأكمام آخر الليل وقد عسعس. وأول الصبح وقد تنفس. فلما رفعت طرفها. وجدت بجانبها إلفها. بعد أن نأى عنها مكانا، وفارقها زمانا. فزال عنهما ألم الشوق. والتف الطوق بالطوق. وهتفا ينشدان فوق خرير الماء. قصيدة على روى الراء. أو دعاها ما أرادا من معاني العشاق. في وصف الوصل بعد الفراق. ومن حولهما بقية الأطيار. ترجع إنشادهما في ترجيع الأوتار. مهتزة على كل غصن مائس. كأنها القيان تزف العرائس. بأطرب من صوتك في الآذان. وألذ من ذكرك بين القلب واللسان.

وما أخرى من سكان الأشجار. وذوات الأوكار غادرت أوكارها في وكرها. في ليلة موصوفة ببردها وصرها تلتمس لهن شيئا من القوت. وقد عز كالياقوت فوقعت من الأمطار في شبكة منعتها عن السعي والحركة. إلى أن غادرت العهاد. وأمكن لها الارتياد. فعثرت لهن على شيء من الحب. ودت لو زيد فيه حبة القلب. فراحت إليهن ولا الظافر بتاج الملك. ولا الناجي مع نوح في الفلك. فوجدت السيل قد أتى على الشجرة فاقتلعها. وعلى الأفراخ فابتلعها وبينا هي بين تصعيد وتصويب. وحنين ونحيب؛ إذ انقض عليها صقر أنشب في طوقها أظفاره. وغمس في جوفها منقاره فاجتمعت عليه صنوف الآلام، آلام الأرواح وآلام الأجسام. بأوجع في قلوب رفقاك من يوم فراقك (مصباح الشرق).

دمعة الشعر على عبده (لسعادة شاعر النيل أحمد بك شوقي)

ساجع الشرق طار عن أوكاره

وتولى فن على آثاره

غاله نافذ الجناحين ماض

لا تفر النسور من أظفاره

يطرق الفرح في الغصون ويغشى (لبدا) في الطويل من أعماره

سلب الفن ألحن الطير فيه

والمتين المكين من أوتاره

كان مزماره فأصبح داو

د كئيبا يبكي على مزماره (عبده) بيد أن كل مغن

عبده في افتتانه وابتكاره

معبد الدولتين في مصر إسحا

ق (السميين) رب مصر وجاره

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٧٥