وقد جمع الله للمرحوم عبد الحمولي من الإتقان والإحسان في فنه كما تقدم الكلام عنه وبين كثير من مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات فصدر عنه من جميل الفعال ما تحفظ له فيه النوادر وتنتقل رواياته المجالس.
كان المرحوم كبير النفس عالي الهمة يحاول الارتفاع عن طبقته ويسعى في الخروج منها مقتصرا على الاشتغال بالفن لذاته لجهل الناس في حيلهم الماضي بعلو قدر هذا الفن وغفلتهم عن جلاله منزلته بين الفنون - وناهيك به أن أفلاطون وهو حكيم الحكماء جعله (مقدمة علوم الحكمة وأول مراتب التهذيب) - وقد عمد المرحوم إلى ذلك بالفعل في أيام المغفور له إسماعيل باشا فترك مزاولة صناعته بالأجر بين الناس وخرج من زمرة المغنيين إلى زمرة التجار غير طامع في الذهب الذي كان يسيل من حياله بممارسة صناعته في تلك الأوقات فافتتح محلا لتجارة الأقمشة واشترك فيه مع بعض التجار بمبلغ 20000 عشرين ألف جنيها - فما مضى عليها عشرون شهرا إلا وانتهت به سلامة نيته وحسن ثقته بأن خرج منها صفر اليد مدينا للشريك دائنا للناس يمنعه الخجل ويحجبه الحياء عن طلب الوفاء - ولم يمتنع في أثناء ذلك عن الغناء بين الناس بل امتنع عن طالب الأجر عليه إلى أن عادت به حاجة العيش إلى مزاولة صناعته كما كان في أول أمره - ولم يتطلع إلى غرضه في الانقطاع عنها كما فعل ودهره يحول دونه، فلا يستطيع بلوغه إلى آخر مدته.
وكان شهما غيورا شريف السيرة يغار لنفسه ولأعراض الناس لا يبالي في ذلك بهول المواقف وفداحة الخطوب - أمر المغفور له إسماعيل باشا ذات ليلة بإحضار (المز) لتغني في بعض قصوره وهو في عزة سلطانه وشدة بطشه لا يعصى له في الناس أمر ولا يخالف هواه إلا من ارتضى لنفسه سكنى القبور ولا يحلم أحد في منامه أن يقف موقف المعارض في رغبته أو الممانع لإشارته - فتوقف المرحوم عبده وكان قد تزوج بها بعد أن منعها من ممارسة الغناء وأبى أن تخرج من بيته فعاوده الطلب بالتشديد، فاستمر على إبائه إلى أن وصل الأمر إلى استعمال القوة فأرسل مأمور الضابطة بعض أعوانه إلى منزله وأرادوا إخراجها منه بالقوة فوقف أمامهم وقفة الليث يحمي أشبال العرين وفضل الموت أو النفي عن أن تغني المرحومة لحنا واحدا لأحد وهي في عصمته - ولما لم يفده موقفه أمام القوة فائدة استمهلهم برهة ريثما يعود إليهم - فدخل البيت وألقى بنفسه إلى حائط الجار وخرج منها إلى الطريق لاجئا إلى صديقه المرحوم.
شكل 17-1: المرحوم عبده افندى الحامولى. (الشيخ علي الليثي) فكاشفه بما هو فيه من هول الخطب، وكان هذا الشاعر المرحوم ممن جمع الله أيضا كثيرا من المزايا الفاضلة والأخلاق الكريمة وأخصها علو الهمة والسعي لخير الناس وكان ذا مكانة رفيعة عند المرحوم (إسماعيل باشا صديق) فقام إليه في الحال وتواقع الشيخ عليه يلتمس حسن الوساطة لدى ذلك الحاكم القاهر ليرجع في أمره، فقام الوزير من ساعته وقصد مولاه وتلطف له ما أمكن في الاعتذار وما زال به حتى رجع عن طلبه ورضي بعصيان عبده لطاعته، وخلص المرحوم عبده من هذه الحادثة معافى في نفسه مصابا في جسمه، فقد تولد له من اضطراب أعصابه من شدة ما قاساه في هذه النازلة داء الصداع فلم يفارقه طول حياته وكانت إذا اعترته نوبته ألقته على الأرض صريعا يتخبط في أشد الآلام لا يكاد من يراه على تلك الحال يصدق بنجاته منها، فإذا أفاق لزم الفراش من عظم وقعها مدة طويلة، ولم ينجع في ذلك الداء معالجة الأطباء.
وكان المرحوم جلدا صبورا على تحمل الآلام في نفسه وبدنه فقد أصابه غير هذا الداء من الأمراض علل كثيرة بعضها في أثر بعض حتى كان يقول إنه قضى ثلثي أيام حياته في المرض والثلث في مراعاة خواطر الناس، وقد أصيب بخراج في الكبد استعصى على الأطباء أمره ويئسوا فيه من نجاته، حتى امتنعوا عن العملية الجراحية - وقرروا أن النجاح فيها كنسبة الواحد إلى المائة، فألح عليهم المرحوم بوجوب عملها على أي حال فعملوا له عملية البزل فلم يخرج من الأنبوبة شيء فتركوها في جوفه بمبزلها وأمروه أن يستمر راقدا على ظهره لا ينقلب على أحد جنبيه طول ليله وأنذروه إن هو تحرك فانتقلت الأنبوبة فقد قضي عليه ثم وكلوا به من يحرسه واستمر في حالته التي تركوه عليها إلى أن غشيه النعاس في أخريات الليل وغفل الحارس عنه برهة فانقلب على جنبه فأصاب سن المبزل رأس الخراج من طريق الأنفاق، فلم يشعر الحارس إلا وقد سال الصديد من حول الفراش ففزع وأيقن بالخطر وأسرع إلى الطبيب فلما حضر وفحص حالته قال له: إن يد القدرة قامت بما عجزت عنه يد الأطباء - وما كاد يشفى من هذه العملية حتى ظهر في الكبد خراج آخر فعملت له في الإسكندرية عملية ثانية - ثم أصيب بعد ذلك سنة 88 إفرنجية بالتهاب في الرئة، فكان ينفث الدم وتآكل جزء من إحدى الرئتين ومن هنا ابتدأ الداء الذي مات به، فعالجه الأطباء وأشاروا عليه بسكنى حلوان فسكنها ووقف سير الداء فيه - وسافر المرحوم في سنة 96 إلى الأستانة العليا وحظي هناك بالمثول في الحضور الشاهاني مرارا وأعجب به أمير المؤمنين بمهارته في فنه وحسن تأديته له فأسنى عطيته وبلغه حسن رضائه - وكان الواسطة بينهما للتبليغ في ذلك المجلس سماحة السيد أبي الهدى ومما تلقاه عنه من أوامر أمير المؤمنين أن يلقن ما غناه في حضرته من الأصوات لبعض ضباط الموسيقى الشاهانية فلقن المرحوم منه ما أمكنه ولم يسع الوقت تمام القيام بالأمر فوعد أنه يشتغل عند عودته إلى مصر يربط تلك الأصوات برابطة النوتة ثم يعرضها على الأعتاب ليسهل أخذها على ضباط الموسيقى - وأهمل المرحوم مدة وجوده في الأستانة التردد على سماحة السيد واجتمع ببعض المتزاحمين معه على الأعتاب الشاهانية ورغب كل واحد منهم أن تكون الحظوة بتقديم تلك الأغاني والأصوات عند عودة المرحوم إلى مصر وإرسالها إلى الأستانة - فلما عاد أتمها عشرين صوتا (دورا) برابطة النوتة - ثم تردد في كيفية إرسالها وخشي أن يغضب أحدهم باختيار سواء عليه في تقديمها وامتنع عن إرسالها لهم جميعا وأرسلها من طريق رسمي فأسرها له السيد في نفسه - ولما ذهب إلى الأستانة مزودا بالآمال لم يشعر هناك وهو في مجلس أنس لبعض كبار المصريين من أصدقائه من جهة البوغاز إلا وقد أحاط به رجال الشرطة فسار معهم وصاروا ينقلون هذا الذي لم ينتقل عمره من مجلس أنس إلا إلى مجلس سرور طول ليلته من مخفر إلى مخفر ومن سجن إلى سجن حتى وصلوا به على مأمور الضابطة، فأمره بالخروج في الحال من دار الخلافة وعلم المرحوم مما سمعه من بعض الأعوان الحلبيين من ذكر السيد ووجوب السعي في دوام رضائه وأن الأمر مقصود على مجاراته على إهماله أمر سماحته، فلم يلتفت على غير المبادرة في إجابة الأمر بالرحيل عن الأستانة، وقد قاسى من غلظة الجند وسوء معاملة الشرطة شيئا كثيرا يطول شرحه مكان ما كان يرجوه من الحفاوة والكرامة له فأثرت هذه الأمور في صحته أسوأ أثر وعاد إلى مصر مصابا بداء (البول السكري) فأنهك جسمه وأضعف من قواه وغادر حلوان إلى سكنى مصر وقد تراكمت عليه جملة من هموم الحياة فزادت في ضعف الجسم وظهر ذلك الداء الدفين في الرئة ودخل من داء السل في الدرجة التي لا يرجى معها شفاء، وأشار عليه الأطباء بسكنى الصعيد مدة الشتاء الماضي سنة 1900 فأقام في سوهاج شهرين ونصفا عادت له في أثنائها بعض قوته وتقوى أمله في شفائه - ولم يدر المرحوم كنه دائه إلا في اليوم الذي مات في غده.