تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن مزاياه في صناعته أنه كان شديد الطرب لا يقل طربه في أثناء تأديته للغناء على طرب السامع له - وهو أول مغن مصري تنبه إلى حسن الإيماء واستصحاب حركات الغناء بالإشارات التي تقوم مقام الحكاية - وكان شديد الحفظ لما يسمعه مجتهدا دائبا في استخراج محاسن المسموع وطرح معايبه، ذا قدرة أن يبدل القبيح فيه بالحسن، وكان ذهنه شديد التعلق بالنغم، فلا يكاد ينساه وربما نام وهو على (التخت) في أثناء الغناء ثم يستيقظ فيرجع إلى الغناء بما كان فيه من غير مراجعة آلة أو استرشاد بأحد ممن معه كأنما كانت الطبقة رسمت في ذهنه فلم تشوش عليها الأصوات التي مرت عليه وهو في نومه ولم تؤثر عليه الغيبوبة في شيء - وكان واسع التصرف يسترسل في النغمة من حادها إلى ثقيلها فلا يترك فرعا من الفروع إلا ويحيط به بما يشتفي منه السامع؛ حتى إنه يتخيل أن كل الغناء منحصر فيها، وكان لطيف التنقل يوهم السامع في غنائه بأن مراده ما هو فيه حتى إذا رسخ ذلك في ذهنه انتقل منه انتقالا إلى مقام آخر يندهش منه السامع، ثم يندرج حتى يعود إلى ما كان عليه وذلك من أعظم المزايا وأكبر الفضل في هذا الفن - وجملة القول في باب الغناء أن المرحوم جدد فيه وأبدع وأحياه في مصر بعد أن كان شيئا خاملا ثم تمكن فيه من التوفيق بين المزاجين؛ المزاج التركي والمزاج المصري - فبعد أن كان أهل الطبقة الحاكمة في المصريين من الأصل التركي لا يطربون من الغناء المصري ولا يتفتون إليه - أصبحوا بفضل المرحوم وما وفقه فيه من الأنغام التركية مقبولا عندهم مفضلا لديهم - وبعد أن كان المصريون لا يطربون من الغناء التركي، ولا يروقهم غير طريقتهم طريقة التوجه والأنين أصبحوا يطربون لما يلائمهم من الأنغام التركية التي أنعش بها طريقتهم القديمة - فهو الجدير بأن يسمى في مصر معدل المزاجين بين الأمتين، وكما امتزج الجنسان في الأجسام بالأنساب، فقد مزج بينهما عبده بالغناء في الأرواح - وكفاه فخرا أنه لم يصل أحد من قبله ولن يصل من بعده إلى مثل ما وصل إليه من هذا الابتداع والاختراع الذي اهتدى إليه (اللهم إذا عضدت أفكار علماء هذا الفن الراغبين في رقية الأمة والحكومة) وقد ميزه الله به من لطف الذوق وشدة الذكاء وحدة الطرب ومحبة الإتقان والترقي في درجات الكمان هذه مزايا المرحوم من جهة فنه الذي انفرد به - وله مزايا جمة لا تنقص عنها في مكارم الأخلاق ومحاسن الطباع وجميل المعاملات.

ومن الناس من يهبه الله سجية الإحسان ومزية الإتقان فيصرف إتقانه وإحسانه على الفن أو الصناعة التي اختارها لنفسه، فيحسنها ويتقنها ويتحول بكليته إليها ويفضل في نفسه ما عداها من مغارس المحاسن ومنابت الفضائل ومكامن المكارم فيعيش غفلا منها - وإن كان نابها في صناعته فتلقى الناس منه ما يسوء من أخلاقه بقدر ما أحسن من صناعته يرضيك حسنه من باب ويسخطك قبحه من عدة أبواب - فترى الشاعر يرتقي إلى عالم شعره، فيسبق فيه من يباريه ويعلو قدره على سواء فإذا عطفت نظرك على أخلاقه وجدته أحط الناس فيها درجة وأدناهم منزلة، وأردأهم سيرة في المخالطة وأسوأهم معاملة في المعاشرة - وتجد هذا الذي لم يكتف بعالم الحقيقة في الجمال حتى تجاوزه في عالم الخيال أبعد الناس عن جميل الفعال وكريم الخصال.

وترى المصور الذي يباري محاسن الطبيعة يحسن المحاكاة في جمال النظام ولطف الانسجام، ويكون في ما عدا ذلك أخرق أحمق شرس الطباع سافل الأخلاق - وترى العالم يصعد يعلمه إلى عالم الفضائل والحقائق، ثم ترذل أخلاقه بالغلظة والجفاء وتسوء بالتيه والكبرياء - وتراهم قد ارتكنوا في طبقاتهم على فضلهم في صناعتهم وفنونهم وأهملوا بقية الفضائل وبعدوا بنفوسهم عن جمال التهذيب وحسن التثقيف، فإن تحمل الناس منهم سوء الأخلاق ظاهرا للمزية التي تفردوا بها، فإنهم لا يتحملونها باطنا يرضونهم بالوجوه ويبغضونهم في القلوب - أما إذا التفت المتفنن لفنه المحسن في صناعته إلى تهذيب بقية أخلاقه وصناعته وإلى تحسينها وصرف إلى ذلك بعض همه بما أوتيه من سجية الإتقان ومزية الإحسان وارتقى إلى فضائل الأخلاق ارتقاء في فنه أو صناعته، فله يرضي الناس ظاهرا وباطنا وتبلغ مزاياه في قلوبهم المحل الأعلى فتنطوي على محبته وتجتمع على تفضيله في حياته وبعد مماته.

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٧٢