وكنت عليه أحذر الموت وحده
فلم يبق لي شيء عليه أحاذر - فكم ارتفعت عليه من الصدور حسرات وزفرات. وسالت من المآقي دموع وعبرات فواها لحشاشة الفضل أرصدها الدهر غوائله. وبقية الفن جر عليها كلاكله. ويا لهفي على هضبة العلم كيف زلزلت. وحدة الذكاء والفهم كيف قللت.
والموت نفاد على كفه
جواهر يختار منها الحسان
ترك خلفه فنونا تبكيه، وتلامذة ترثيه. ومرسحا كان بوجوده مجمع الأنس ونادي الهنا والسرور. فإذا ما صعد عليه صفق الناس طربا وانشرحت الصدور. تفرق شمل صحبه والرفاق. وآخر الصحبة الفراق.
وقد انقضت تلك السنون وأهلها
فكأنها وكأنهم أحلام
ذلك هو الموت الذي لولاه لما كان لك للشجاعة فضل على الجبن والضراعة، والكأس التي يستوي في تجرعها الصغير والكبير. والسبيل المحتوم سلوكه على الصعلوك والأمير. فكلنا مسوفون بقدرة من إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون.
| هوامش
الفصل السابع عشر
| ترجمة (المرحوم عبده أفندي الحمولي)
إذا بحث الباحث في أطوار الناس وأخلاق الخلق؛ تعين عليه أن يجردهم من طيالس المراتب والمناصب ومظاهر الثروة والجاه، ثم ينفي في نظره ما بينهم من تفاوت الطبقات واختلاف الدرجات التي وضعها الناس لأنفسهم بأنفسهم، ثم ينظر وهم على تلك الحالة المجردة إلى ما وضعه الله فيهم من المواهب والمزايا وأسباب التفاضل بينهم. وما هذه الدنيا في نظر الحكيم إلا ملعب وما الناس في مراتبهم ودرجاتهم إلا كالمشخصين فيه يتزيون بالأزياء المختلفة.. هذا ملك وهذا وزير وهذا قائد وهذا أمير، فإذا أراد الباحث أن يعرف حقيقة أقدارهم وقيمتهم في ذواتهم؛ نظر إليهم من وراء الملعب مجردين من تلك الألبسة الفاخرة في الحالة التي كانوا عليها قبل تشخيص أدوارهم، هنالك يرى الباحث في طبائع الناس وأخلاقهم أنهم مختلفون بينهم ومتفاوتون في سلسلة الترقي والكمال تفاوت الصوان من الياقوت في الأحجار السيالة من البنفسج في النبات، والفهد من القرد في الحيوان، ومن الناس من تميزه الطبيعة بكمال الخلقة، وترتقي به في كمال التصوير، فينشأ فيها من حسن الاتساق ولطف التركيب ما تتجلى به في عالم الإحسان والإتقان، فيصدر عنه من بدائع الأعمال ومحاسن الأفعال ما تطرب له النفوس وتشجى به القلوب، فإن نشأ في طبقة الشعراء كان كالمعري، وإن نشأ في طبقة الحكماء كان كابن سينا - وإن نشأ في طبقة الجند كان كطارق بن زياد - وإن نشأ في طبقة المغنين كان كإسحاق، أو كهذا الفقيد الذي فقدناه بالأمس.
وهب المرحوم عبده الحمولي سجية الإحسان ومزية الإتقان، فكان وحيد عصره وفريد دهره في صناعته مارسها بين الناس أكثر من أربعين عاما، لم يضارعه فيها مضارع ولم يلحق به لاحق، وانحصر فيه الغناء في مصر طول هذه المدة فصار الكل له مقلدين.. يأخذون عنه ولا يبلغون شأوه ولا يتعلقون بغباره، ولا غرو فإنه هو الذي أخرج فن الموسيقى من سقوطه، وتأخره إلى ارتفاعه وتقدمه ولم يقتصر على طريقته التي وجده عليها، بل أخذ فيه بأسباب الاختراع والابتداع والتحسين والتهذيب، وأنشأ له طريقة جديدة بحسن اجتهاده ورقة ذوقه.
ولد المرحوم في سنة 1262 هجرية وليس ذلك على التحقيق بمدينة طنطا، وكان والده يمارس تجارة البن وكان للمروحم أخ أكبر منه فوقع شقاق بين أخيه وأبيه، ففر به أخوه من وجه أبيه هائما به في الخلوات، وكان كلما تعب المرحوم من السير لصغر سنه حمله أخوه على كتفه؛ حتى دنا الغروب وهما على آخر رمق من الجوع والعطش وتعب السير لا يجدان أحدا في وجههما يأنسان به، ويلجآن إليه إلى أن سخر الله لهما رجلا آواهما وسد رمقهما في ليلتهما ثم أقاما عنده أياما.
ومن غريب الاتفاق أن الرجل كان يشتغل بصناعة الغناء وبضرب الآلة المعروفة بالقانون في طنطا وسمع صوت المرحوم في بعض روحاته وغدواته فأعجبه، فعاد به إلى طنطا واشتغل معه هناك مدة وجيزة، وقد بقي تأثير تلك الوحشة والانفراد مع التعب والجوع في تلك الليلة التي خرج منها المرحوم من بيت أبيه مرسوما في رأسه، فكنت تراه إلى آخر عمره ينقبض صدره ويتقطب وجهه كلما دخل عليه أوان الغروب وطالما قص هذه القصة على خلصائه ممن كانوا يعجبون لانقلابه الفجائي من السرور إلى الانقباض في ذلك الميعاد ثم رأى ذلك الرجل الذي آواه عنده واسمه المعلم شعبان أن يحضر به إلى مصر، فاشتغل معه في قهوة معروفة في ذلك العهد بقهوة عثمان أغا في غاية الأشجار وكانت موضع حديثة الأزبكية الموجودة الآن، فاتسع به رزقه وحرص عليه أن يخرج من يده ويستميله غيره من أهل هذه الصناعة، فيضيع عليه رزقه فرأى أن يربطه بعقد زواجه من ابنته، فاستذله وأسره وانقلب يعامله أسوأ المعاملة وكان في مصر رجل طائر الصيت في فن الغناء اسمه (المقدم) أعجب بالمرحوم، فسعى جهده ليلحقه به ويشتغل في (تخته) حتى وصل إلى غرضه وجذب المرحوم وفصل بينه وبين زوجته قطعا لعلاقته بصاحبه وأنقذه مما كان فيه واستمر معه يغني على الطريقة التي كانت معروفة عند المصرين في ذلك العهد - وأصلها على ما يعلم من تاريخ وضعها أن رجلا من أهل حلب اسمه شاكر أفندي، وفد إلى القطر المصري في المائة الأولى بعد الألف وكان فن الألحان فيه فنا مجهولا، فنقل إليه جملة تواشيح وقدود وكانت هي البقية الباقية من التلاحين التي ورثها أهالي حلب عن أهل الدولة العربية، فتلقاه عنه بعضهم وصارت عندهم ذخيرة نفيسة واشتهر حرصهم عليها وصار الواقفون عليها يحرمون الناس من تلقينها للتفرد بها، وبقيت بينهم على بساطتها الأصيلة بدون الشد والتصوير، فكانت قاصرة على أمهات المقامات وبعض الفروع المقارنة لها، وكانت بالنسبة للغناء مثل حروف الهجاء بالنسبة للكلام وأقام المغنون في مصر على هذه الطريقة البسيطة لا يتصرفون فيها أقل تصرف، فلا يدخلون فيها حسنة ولا يخرجون منها سيئة إلى عصر عبده فتلقاها المرحوم منهم على أصلها وغنى بها مدة ثم رفعته سجيته في الطرب وحس ذوقه في الغناء أن يتصرف فيها شيئا ما مع المحافظة على الأصل وعدم الخروج عن دائرته، فأزال عنها بعض الجفوة الحلبية - وما زال يرتقي المرحوم بحسن الغناء حتى ألحقه المغفور له (إسماعيل باشا) بمعيته وسافر معه إلى الأستانة مرارا وسمع هناك آلات الموسيقى التركية وجلب إسماعيل باشا في عودته إلى مصر جماعة من أكابر المغنيين فيها، فكان المرحوم يحضر معهم دائما في اشتغالهم بالغناء، فاستمالته ألحانهم وأخذ يغني منها ما يلائم المزاج المصري ويناسب الطريقة العربية ورأى المجال واسعا له في الموسيقى التركية؛ إذ وجد فيها كثيرا من النغمات التي لم يكن للمصريين علم بها ولم تطرق آذانهم من قبل مثل النهاوند والحجازكار والعجم، وغيرها فنقلها إلى أدوار الغناء المصري ثم التفت إلى بقية مصطلحات الغناء المختلفة في ذلك العصر مثل المتشددين والمشهورين بأولاد الليالي (الفقهاء) والعوالم (القيان) والمداحين (الضاربون بالدفوف) والتقط منهم ما استنسبه، فأضافه مع المختار من الغناء التركي وخلطها بالطريقة القديمة، فجعلها طريقة جديدة وخاصة به - وظهر في مصر وفيها شيوخ المغنين فصار شيخا عليهم، وقد دعاهم جهلهم بما صنع إلى استنكار طريقته في أول الأمر، ولكن ما لبث الناس أن ذاقوا حلاوتها وطلاوتها، فعم استحسانها وذهب استنكارها وانتصر بحسنها عليهم وله فيها من التلاحين أشياء كثيرة.