فحرر الأستاذ خطابا إلى أحد أعيان الإسكندرية يستشيره في الشخوص من عدمه. ويخبره بما جرعه به الدهر من كأس غدره وظلمه. فاستدعاه. مؤكدا له نيل مناه. فكان الناس ينتظرون وقت وصوله. انتظار المحب رجع رسوله. وأقاموا يترقبون تحقيق ذلك الأمل. حتى حضر الفاضل الأجل. فقوبل من وجهاء القوم على الرحب والسعة. والكرامة والدعة. وأخذ اسمه من ذلك الحين ينتشر ويدوي في كل قطر. كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر. فكان مرسحه موردا عذبا يؤمه الكبراء والأمراء. والشعراء والأدباء؛ لمشاهدة رواياته وجلها من منشآته
1 . لما جمعت بين جزالة الألفاظ وعذوبتها. ورقة المعاني ودقتها. أرهفت نواحيها بالتهذيب. وطرزت حواشيها بكل فكر غريب. شهد بحسنها الكثير من أئمة البلاغة. ومتقني صناعة الصياغة. كما شهد من قبل أكابر الموسيقيين. وفطاحل الملحنين. بما له من بديع التلاحين الرقيقة لأناشيد الطرب الأنيقة. ما يزري برنة الدينار. ويذهب بصوت الناي والأوتار. ويطوح بالهموم والأتراح، ويغني بلذته عن الراح. فكم له من قطعة رافعة للقدر. ومدحة شارحة للصدر. ومرثية مبكية وللعيون. ومقطعات مختلفة الفنون - هذا ما يتعلق بالإنشاد والإنشاء. أما التمثيل فحدث عنه كما تشاء. فقد بلغ فيه أستاذنا من الإجادة ما فوق الإرادة. بجسم الوهم. وبقربه إلى الفهم. يلبس المجاز بالحقيقة. وما تكلف ولكن أملت عليه السليقة.
وفي تعب من يحسد الشمس نورها
ويجهد أن يأتي لها بضريب
ومن أجل مزاياه أنه كان خصيصا بطريق من طرق الغناء. وتفرد بها تفرد القمر في السماء، فكان بعد انتهاء كل رواية يلقي من القطع الموسيقية شذورا تنزو لها الأكباد. ويتحرك لحسن وقعها الفؤاد. حتى أحرزت مصرنا من إقامته فيها فنونا جزيلة. وفضائل جليلة. يقدرها حق قدرها أولو السجايا الحميدة والعقول الحصيفة. ولا ينكرها إلا ذوو الأغراض السافلة والآراء السخيفة.
وكان أيضا على جانب عظيم من ثبات الجأش وقوة العارضة. في تفهيم المعنى وتقرير القاعدة. فيقولهما بكلام بسيط يقرب من الأفهام. ويسهل تناوله لمن له بهذا الفن أدنى إلمام.
ولطالما سمعته يقول: - التمثيل جلاء البصائر، ومراءة الغابر. ظاهرة ترجمة أحوال وسير. وباطنه مواعظ وعبر. فيه من الحكم البالغة. والآيات الدامغة. ما يطلق اللسان، ويشجع الجبان. ويصفي الأذهان. ويرغب في اكتساب الفضيلة. ويفتح للبليد باب الحيلة. ويرفع لواء الهمم. ويحركها إلى مسابقة الأمم. ويبعث على الحزم والكرم. يلطف الطباع ويشنف الأسماع. وهو أقرب وسيلة لتهذيب الأخلاق ومعرفة طرق السياسة. وذريعة لاجتناء ثمرة الآداب والكياسة. هذا إذا تدرج فيه من ذكر الأحوال. إلى ضرب الأمثال. ومن بيان المنهاج. إلى الاستنتاج؛ ليرتدع الغر من غيه وينزجر. ويجد العبرة في غيره فيعتبر.
صفاته: - كان رحمه الله أنيسا وديعا ذا خلق وسيم. وطباع أرق من النسيم، أديبا ذرب اللسان، لبيبا لم يختلف في فصاحة ألفاظه اثنان. يجمع في شعره الرواية والروية. والبديهة القوية. كل بيت له من الشعر خير من بيت تبر. له سماحة وحماسة. وتدبير وسياسة. مع ثبات أقدام. وصبر وإقدام، قد صيغ من أكسير اللطافة. وتجسم من روح الظرافة. كريم الفقر. وكذلك ذو المنة إذا قدر. مقبول الرجاء، عند الأمراء. لا يمنعه من مساعدة الضعفاء من أبناء فنه إلا ما انطوى عليه البعض من سوء النية. وخبث الطوية. له معرفة تامة ببعض اللغات غير العربية؛ كالفارسية والتركية - ولم يزل اسمه يضرب في كل مكان به المثل. كما كانت باطن يده في حياته للندى وظاهرها للقبل، وبالجملة فمحاسنه لا تحصى بعد. وأوصافه لا تدرك؛ لأنها لا تنتهي إلى حد.
سافر إلى الأستانة في آخر عمره. ولا رفيق له غير علمه وفخره. فأكرم مثواه بعض وزرائها ذوو النخوة والمروءة. والحمية والفتوة. وأنزله المنزل الرحيب. واعتنى به اعتناء المحب للحبيب... وأخيرا استأذنه في الظعن. وأعلمه باشتياقه على الوطن. فآب إلى الشام. شاكرا جميل هذا الهمام. مثنيا عليه ثناء الروض على الغمائم. مترنما بذكر محاسنه ترنم الحمائم. فوافته المنية ليلة سبع وعشرين من رمضان سنة 1320 هجرية. *** فهلعت القلوب عند هذا النبأ العظيم. وارتاعت النفوس لوقعه الأليم بموته أحيى الأسف. وشوى الأكباد على جمر التلف.