1 .
وأحسن ما كان الافتتاح في حضرة الأمراء والكبراء بالدعاء والثناء - أي أنه يلحن على كلام المديح ألحانا تشابه افتتاحيات التياترات - وأن يصاغ شعر كهذا مثلا.
أسلم سلمت أمير المؤمنين ولا
يسلم عدوك إن الله خاذله
ومثل:
وعلى عدوك يا ابن عم محمد
رصدان ضوء الصبح والإظلام
ومثل:
والله أظهر منك نورا ساطعا
فبدا وأطلع منك نوا ممطرا
ومثل:
فما أطيب الأيام ما عشت سالما
وأيسر ما يأتي به الدهر من خطب
ومثل:
أنتم سماء الفخر فافتخروا
وفي ذرى المجد أنجم زهر
ومثل:
قد تناهيت في المكارم والجود
وحزت المدى فأين تريد
ومثل:
ألم تر أن الله أعطاك سورة
ترى كل ملك دونها يتذبذب
ومثل:
أنتم ذوو النسب القصير فطولكم
باد على الكبراء والأشراف
والراح إن قيل: ابنة العنب اكتفت
بأب عن الأسماء والأوصاف
ثم يقابل المغني الأوقات التي يقع فيها الاجتماع بما يشاكلها فيغني في آخر الليل مثلا من (الراست):
رب ليل سحر كله
مفتضح البدر عليل النسيم
ويغني في الصبح:
أصبح اليوم كما
يهواه أهل الصبوح
ويغني في البساتين والرياض:
ولما نزلنا منزلا طله الندى
أنيقا وبستانا من النور خاليا
ويغني في اليوم الطرير:
ويوم من الزمهرير مقرور
عليه جيب السحاب مزرور
ولكن من الغريب أن أكثر الناس أيضا إذا سمعوا أشعار العرب التي قيلت في الديار والرسوم. والآثار والمرابع والأوطان والأطلال والدمن وصنعة الخيل والإبل والوحش والوقائع والثارات والأيام والأعلام والمهامه والسباسب والبيد والقفار يضحكون منها ويستبشعونها؛ لأنها تبعد عن أفهامهم ولا يؤثرون من الأشعار إلا ما كان ركيكا وفي الغزل والروض والخمر والقيان والمجالس لقرب ذلك من أفهامهم، وسرعة ملاءمته لألفاظهم - فيحتاج المغني بهذه الصناعة على الارتياض بالنظر في النحو واللغة، واستفهام الغامض من كلام العرب ومعاني أشعارها وألفاظها ليسهل عليه حفظها وفهمهما؛ فإنها أشعار جزلة فحلة كأنها نحت من صخر تتضمن أخبار العرب ووقائعهم وأثمالهم وأقوالهم وأخلاقهم ومفاخرهم وكرمهم وأنسابهم وأحسابهم، ولكن على شرط أن لا يغنيها إلا لمن يفهمها ويقدرها قدرها - كما وأنه من العيب البين على الأديب أن يطلب الكلام الركيك ويترك الشعر الجيد.
أما ما يجب على الملحن، فهو أن يعتمد العناية بوضع الأشعار فيما يشاكلها من الألحان - فما أغفل ذلك لم يعتد له بكبير فضل - قال قيدرس: الموسيقار الفاضل يجلب اللحن نحو المعنى ومتى لم يقدر الموسيقار على أن يجلب إلى معنى النفس بالشعر جسد اللحن، فليس هو بموسيقار كامل إذا كان شاعرا - فإن لم يكن شاعرا وكان صاحب لحن فقط فعلى الشاعر أن يخرج معنى النفس بالشعر وعلى الموسيقار أن يلبسه لحنا مشاكلا له - وقد تكون الأشعار أصنافا عدة في الفخر - والشجاعة والزهد - والغزل - والصيد - والشرف - والحزن - والمراثي - والثارات - والقدر - والوفاء - والفرقة - والاجتماع - والغرام - والسلو - وصفة الخيل - والزهر - والمياه - والبرك - والبحار - والبساتين - والنزه - والبعد - والقرب - والظفر - والفتح - والرياض - والحسد - والكتمان - والمصافاة - والكرم - والمواساة - والتهنئة - والدعاء - والحال - والثياب - والدواة - والقلم - والكتابة - والبلاغة - والخطابة - والسياسة - والحلم - والرياسة - والشرف - والأعراض - والشراء - والحدق - والقصور - والقدود - والنهود - والأرداف - والتثني - واستنجاز الوعد - والادكار بالحوائج - والحث - والحمية - والتحريض - والتعزية - والتسلية - والحضور - وماشا كل هذه الأحوال، وما يخلو أحد من أن تكون حالة متعلقة بشيء من هذه الخلال - ولكل معنى فيها ما يشاكله - فسبيل المغني أن يضع على كل معنى ما يليق به - فإن مدح فخم - وإن ذكر الوقائع أرهب وأرعد وأبرق - وإن ذكر الغزل رفق - وإن رثا ناح - وإن ذكر الموتى بكى - وإن ذكر الشباب تأسف - وعلى هذا المعنى يكون اعتماده.