تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الألحان ما يحدث الانبساط - وما يحدث الانقباض وما يحدث الحركة - وما يحدث السكون - فأما الشكل الانبساطي، فهو الشكل الفخري الذي ينبئ عن المجد والنجدة وعلو الهمة وشرف النفس

2

وقد امتحنا بأنفسنا مقامي (الراست والعجم) فوجدناهما لائقين بما تقدم - وأما الشكل الانقباضي فهو الشكل الشجوي الذي يحزن ويبكي ويكمد ويشعر الإنسان عند سماعه بالجبن والخوف (العشاق - الجهاركاه) - وأما اللحن الكوني فهو المنبئ عن السكون وهدوء النفس وسلامتها ودعتها (النهاوندي - الصبا) - وأما الشكل السروري فهو الذي ينبئ عن تحريك النفس وجذلها (الأوج) - مع مراعاة أن الأوزان السريعة هي التي تحرك النفس إلى النشاط والتهيج - بخلاف الأوزان البطيئة فإنها تسكن الأعصاب - فعلى الملحن المجيد أن يضع النغمات على الأوزان التي تشاكلها - كذا لكل هذه النغمات والأوزان من الأشعار ما يوافقها.

والطريقة الموصلة في وقت قريب لمن يريد معرفة أسرار التلحين هي:

أولا:

يجب على من يريد معرفة سر التلحين ليلحن - أن يكون حافظا لمئات من الموشحات العربية والبستات التركية والبيشروات والأدوار والطرق وإلى غير ذلك من جميع المقامات؛ ليعلم كيف فعل الأولى سلفوا.

ثانيا:

أن يكون عالما يعلم التصوير أي نقل الطبقة من مقام إلى مقام آخر.

رابعا:

أن لا يستقبح تلاحين الأجانب، فإنه بالتعود على سماعها تصير عنده ملكه التمييز، فيعرف ثمة الحسن منها والردى.

خامسا:

يلزم أن يكون له معرفة بالأوزان، وما يصلح منها للحركات البطيئة والسريعة لتساعده على الكيفيات الموسيقية من حماسية ومسكنة ومفرحة ومحزنة إلخ.

سادسا:

أن تكون له ملكة التلحين؛ كي يكون تلحينه مقبولا عند الناس.

والطريقة المثلى للملحن الماهر - هو أن يفرض بأنه واضع جميع ما يحفظه من التلاحين من المقام الذي يريد التلحين منه أمامه - كأنها أثواب محاكة من حرير وصوف وكتان وقطن إلى غير ذلك - وكل ثوب منها مركب من كل هذه الأصناف مثلا - والغرض انتخاب الحرير من كل ثوب أي انتخاب القطع المطربة من كل تلحين منها - الملحن المتمكن الذكي يمكنه أن يلتقطها وبعلمه يربطها ببعضها بمناسبات نغمية - فتكون الخلاصة قطعة غاية في الطرب والإتقان لتزاحم القطع المطربة فيها. وفي هذه القدر كفاية لقوم يفقهون.

يروى أن الواثق سأل إبراهيم بن ميمون الموصلي عن التلحين؟ فقال يا أمير المؤمنين: أمثل الطرب بين عيني وأخلي من الفكر خاطري، وأسلك إلى الألحان بدليل من المعرفة فلا أرجع خائبا، فقال: له بحق تقدمت.

وقد سأل الحسن بن الطحان نفس هذا السؤال فأجابه: - إذا أردت التلحين أجريت سوابق الأشعار في ميدان الأفكار بعد أن أخلي خاطري من خواطر الأفكار الرديئة، فأنتخب أغزلها وأجزلها شعرا فألبسه حلل الألحان حلة بعد حلة فأي حلة رأيته متهللا مشرقا فيها أفضتها عليه، وحليت جيده بجواهر النغم وجلوته على سمعي وتأملته بعين معرفتي فإذا رزق حظوة الرضا، وسلم رأيي فيه من الهوى أظهرته للوجود وغنيته مرتادا للجود - فأعجب بهذا الكلام ووصله وخلع عليه - وبلغ باقي المغنين ذلك فكادوا يموتون حسدا.

ولي كلمة هنا لأبناء فن الموسيقى في مصر وهي:

أرجوكم بلسان كل محب لرقي هذا الفن أن تتركوا التحاسد الذي بلغ بينكم أقصى غاياته، وأن تتمسكوا بالوئام والاتفاق وتجتمعوا على المحب والألفة وتتفقوا في المحافظة على شرف الفن ورفع شأنه - وأن تنسوا المخاصمات والمشاحنات الواقعة بينكم - وبدلا من أن تقولوا إذا سئلتم عن أحد أنه غبي جاهل لا يعرف من قواعد الفن شيئا - أن تقولوا له: مجيد في صناعته جاد في إتقانها مثلا - حتى لا تثبط همته ويثابر على عمله بجد ونشاط، ولكي لا يعرف منا الغير موضع الضعف والخطأ، فيذكروه لنا وقت المجادلة. ومن جهة أخرى أقول: ولا تثريب علي اليوم بأن سمعتكم لدى الناس صارت رديئة، وكرهكم لبعض سارت بذكره الركبان فضربت به الأمثال في جميع الأصقاع والبلدان - وفوق ذلك فإنهم يتهمونكم بأنكم ذوو نفوس صغيرة لا تميلون إلى منفعة بعضكم البعض ولا ترغبون في أن يظهر من بينكم نابغة تنتفعون بعلمه وينتفع الناس بعمله - وإن معاشرتكم لبني طائفتكم أساسها النفاق - وأعمدتها المداهنة والخداع، وهذا القول - والحق يقال - جارح لإحساس كل حر شريف ولهجة الناس به مرارا ضربة شديدة على الفن وازدراء بأهله وتحقير لمن يود أن يتصف به وينسب إليه.

كِتاب المُوسيقى الشرقي · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

كِتاب المُوسيقى الشرقيص ٤٤