ويبقى في هذه العجالة تنبيهان:
الأول: وهي مسألة دقيقة لا يتفطن إليها من "يحتار" بين الأقوال والأدلة المتعارضة في المسألة؟ وينزعج من الخلاف فيها، وهي أن مسائل الفقه ليست كلها على درجة واحدة من الوضوح والحسم في حكمها، فالألفاظ منها واضح الدلالة كالظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم، ومنها غير
واضح الدلالة كالمتشابه، والمجمل، والمشكل، والخفي، وأنه لا يشترط أن يقوم دليل قطعي على كل مسألة، بل أغلب مسائل الفقه ظنية، وإن الاجتهاد كما يجري في "ثبوت النص " كذلك يجري في "دلالته "، وأن المسائل الفقهية الخلافية يتم الترجيح فيها بالنظر في مجموع الأدلة، وليس في طائفة منها، وأن ضعف الدليل لا يستلزم ضعف المدلول، بمعنى أن صاحب المذهب الراجح قد يكون في ضمن أدلته دليل ضعيف من حيث ثبوته، أو من حيث دلالته، دون أن يقدح هذا في ترجيح مذهبه بالنظر إلى مجموع الأدلة التي استند إليها.
الثاني: أننا يجب أن نتلقى الحكم الشرعي الراجح بصدور منثسرحة، وتسليم مطلق، وثقة كاملة بأن شريعة الله فيها صلاحنا وخيرنا، وأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأنه لا تخلو عبادة من مشقة معتادة، ومجاهدة للنفس، غير أن هذه المشقة إذا زادت وتضاعفت وصارت فوق الاحتمال، فهنا تأتي الرخصة الشرعية رفعًا للحرج، ودفعًا للعنت، وتيسيرًا على المكلفين، وأن على الباحث في المسألة أن يفرق بين "الحكم الشرعي" الأصلي الذي نستنبطه من الأدلة بتجرد، ونزاهة، وبين "الفتوى" التي تعتمد على المواءمة بين الحكم الشرعي وظروف المستفتي الخاصة أو الطارئة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الإسكندرية في السبت ٢٨ صفر ١٤٢٣ هـ
الموافق ١١ مايو ٢٠٠٢م
-د-
لقد تجاوبت الآفاق بأصداء دعائهم: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) [آل عمران: ١٩٣]، حين رددها شباب تركيا، والباكستان، وأفغانستان، ومصر، وجزيرة العرب، والشام، والمغرب، والسودان، وسائر الديار الإسلامية، بل في أعماق أوربة وأمريكا، وراحوا ينهلون من كتاب الله سبحانه، وسنة رسول الله ﷺ، وقد وجهوا قلوبهم ووجوههم من جديد- بعد حيرة واغتراب- شطر البيت العتيق،
وولوْا ظهورَهم (لِلْقُلَّيْس) (١) قبلةِ الضرار التي أقامها "أبرهة" (٢) روسيا، و"أبرهة، أمريكا في "موسكو" و"واشنطن "، والتي قام على سدانتها، وتسيير الوفود نحوها " آباءُ رِغال " (٣) عصرنا.
لقد وَلَّوْها ظهورهم عملًا بقوله سبحانه وتعالى: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) [البقرة: ١٥٠] .
لقد أذهلت الصحوة الإسلامية أعداء الإسلام، فأخذوا يرقصون رقصة الموت التي يحاول فيها الذبيح باستماتة كأنه يحارب معركته الأخيرة، وما هي إلا "صحوة الموت " الزؤام أمام "صحوة البعث "
(١) القُلَّيْس: اسم كنيسة بناها بصنعاء "أبرهة الأشرم" لم يُرَ مثلُها بشيء من الأرض، وأراد أن يصرف إليها حَجّ العرب. (البداية والنهاية) للحافظ ابن كثير (١٧٠/ ٢)، والإشارة هنا إلى "الكرملين " و"الكونجرس " وغيرهما. "
(٢) أبرهة الحبشي ملك اليمن، وهو الذي قاد أصحاب الفيل لهدم الكعبة.
(٣) أبو رغال: هو الرجل الذي بعثته ثقيف مع أبرهة ليدله على طريق مكة كي يهدم البيت الحرام، فلما أنزله بالمغمس- موضع قرب مكة في طريق الطائف- مات أبو رِغال هنالك، فرجمت قبره العربُ، فهو القبر الذي يرجم الناس بالمُغَمس، وفيه قال جرير:
إذا مات الفرزدق فارجموه ... كرجمكم لقبر أبي رغال
انظر "البداية والنهاية " للحافظ ابن كثير (٢/ ١٧١)، و"الأعلام" للزركلي (٥/ ١٩٨) .