المهديون في كل عصر ومصر.
السابع: أن بعضهم يعمد إلى المختلفين في المسالة فيقسمهم إلى طرفين ووسط، بحيث يحتكر لرأيه منذ البداية الوسطية والاعتدال، ومن خالفه إما غال مُفْرِط، وإما جافٍ مُفَرِّط.
إن ظاهرة "القسمة الثلاثية" هذه تعني التحكم بالعاطفة في قضايا الخلاف الفقهي السائغ الذي لا يجوز فيه رمي المخالف بالبدعة والضلالة والتشدد.. إلخ، كما أنها تعني مصادرة آراء المخالفين منذ البداية، لأن صاحب هذا المسلك- وبهذا الأسلوب العاطفي- يبدو وكأنه يسوق الناس بعصاه لتبني مذهبه "المحتَّم "، فهو يقول: "ليس لكم أن تبيحوا التبرج لأنه تفريط وجفاء، وليس لكم أن توجبوا النقاب لأن القول بالوجوب إفراط وتشدد، وغلو وتعصب، وبما أن "كلا طرفي قصد الأمور ذميم "، إذن فلا مناص لكم من السبيل الأوحد الذي يحتكر الوسطية والاعتدال، والذي لا بديل له ألا وهو القول بإباحة السفور".
* وهاك أمثلة لظاهرة "القَسمة الثلاثية" تشي بها عناوين بعض الكتب:
الأول: "الرد المفحم على من خالف العلماء، وتشدد، وتعصب، وألزم المرأة أن تستر وجهها وكفيها، وأوجب، ولم يقنع بقولهم: إنه سنة ومستحب (١) .
الثاني: "النقاب للمرأة: بين القول ببدعيته، والقول بوجوبه "
الثالث: الحجاب بين الإفراط والتفريط.
في زعمهم - قد ولَّت إلى غير رجعة.
أجل! حدث هذا في أعقاب الصحوة الإسلامية القائمة على الأصالة، والاقتباس من منابع ديننا الحنيف الذي حملت رسالته، وحفظت أمانتَه هذه الأمةُ طيلة اثنى عشر قرنا من الزمان- قبل طروء الغزو الفكري- فكان أن امتزجت به مشاعرها، وجرت في سبيله دماؤها، وأصبح هو حياتها وفكرها، ومبدأها ومعادها، ونبض قلوبها.
لقد تتابعت الحملات العسكرية ثم الفكرية للقضاء على هذا الدين وأهله، وخُيل إلى أعداء الإسلام أن الأمة مجتمعة قد استجابت لجهودهم، وأزمعت أن تُوَدعِّ الإسلام نهائيُّا إلى غير رجعة.
وإذا بالطائفة الظاهرة المنصورة من علماء الأمة الربانيين يتصدَّوْنَ عن وَعي واقتدار في كل عصر ومِصر لأعداء الإسلام، ويبشرون الذين تسرب اليأس إلى قلوبهم بقوله تعالى: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ الله إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: ٨٧])
وتوله عز وجل (سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: ٧] وقوله سبحانهْ: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى: ٢٨]، وقوله جل وعلا: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: ٢١] .
ويوبخون أعداء الله بقوله جل وعز: (أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا) [الكهف: ١٠٢] . وإذا بشباب في ريعان الصبا، وفتياتٍ في عمر الورود ينسابون من كل حدب وصوب، ينضمون إلى ركب الإيمان، ينادون بالعودة إلى كتاب الله وتحكيم شرعه، حاملين أنفسَهم وأنفاسَهم وأموالهم وأوقاتهم وزهرات شبابهم على أكفهم، باذلين ذلك كله في سبيل إعلاء كلمة الله، متحملين العذاب، والاضطهاد، والتشريد، والتنكيل، واثقين بوعد الله
موقنين أن الشهداء والأسرى والمعذبين معالم على طريق النصر والتمكين.
(١) ومفهوم هذا العنوان إخراج كل مخالف- في القديم والحديث- من زمرة العلماء، ويؤخذ منه رمي العلماء القائلين بوجوب الحجاب الكامل بالتشدد، والتعصب، كابن تيمية وابن القيم وعشرات غيرهما، ويفهم من نسبة "الإلزام" إليهم أنهم يتكلمون بالظن
وما تهوى أنفسهم، ولا يبنون مذهبهم على أدلة القرآن والسنة.
-ج-